تأمل هذا الأنيق الذي يرتدي الثياب الثقيلة في وهج الصيف، فيُضيِّقُ بها على نفسه ويتكبد من جرائها المشاق. لا يبتغي من وراء ذلك إلا استحسان الناظرين وإعجابهم. وهو يدرك أن هذا الإعجاب لا ينفعه وقد يضره، ولكنه رغم ذلك يصر على تحمل الآلام تحت وطأة الإيحاء الاجتماعي القاسي. وكذلك المرأة قد ترتدي الملابس الخفيفة في الشتاء القارس، فترتجف من شدة البرد ثم تبتسم وكأنها تفعل ذلك بدافع الذوق السليم. وتراها تخيط لنفسها ثوبًا قصيرًا، فإذا جلست أخذت تمطُّ فيه لتستر أفخاذها، ثم لا تسأل عن السبب الذي دفعها لخياطة ثوب قصير ثم مدّه! وتنظر إليها ذات يوم فإذا بها تضع شيئًا يشبه الحذاء على رأسها وتسميه قبعة. وهي لا تبالي أن تشتري هذه القبعة “الحذائية” بأغلى الأثمان، فتستنزف أموال أبيها أو زوجها في سبيل مواكبة أحدث الأزياء. وإذا تحدثت إليها، أمطرتك بوابل من المصطلحات الجديدة تريد أن تبرهن بها أنها غدت من المفكرات النابغات.

أغارُ عليكِ من المرآةِ التي تبعثُ لكِ تهديدًا بجمالِكِ. أغارُ من حبِّكِ لي، ومن فنائي فيكِ، ومن العذابِ الذي أقاسيهِ من أجلِكِ. أغارُ من صوتِكِ، ومن نومِكِ، ومن لفظِ اسمِكِ. أغارُ عليكِ من غيرتي عليكِ، ومن تعلُّقي بكِ، ومن الأنغامِ والأزهارِ والأقمشةِ. أغارُ من انتظارِ النهارِ لكِ، ومن انتظارِكِ الليلَ، ومن الموتِ، ومن ورقِ الخريفِ الذي قد يسقطُ عليكِ، ومن الماءِ الذي تنتظرينَ أن تشربيهِ.