إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوروبية الوحشية في عالم الإنسانية؛ فلقد كان العرب أساتذتنا. وإن جامعات الغرب لم تعرف مورداً علمياً سوى مؤلفات العرب، فهم الذين مدنوا أوروبا مادةً وعقلاً وأخلاقاً، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه. إن أوروبا مدينة للعرب بحضارتها، وإن العرب هم أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين. فهم الذين علموا الشعوب النصرانية، وإن شئت فقل: حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان. ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبةً.

يُشدد ابن خلدون على ضرورة العدل وحتمية اجتناب الظلم، الذي يُفضي إلى هلاك المجتمعات وتخريب العمران. فالشريعة أو القانون، في نظره، هي الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة بين الناس. وبتحققها، يتحقق عز الملك وقوته، الذي لا يتأتى إلا بالعمارة والازدهار. ولا سبيل للعمارة إلا بإرساء دعائم العدل، الذي يراه ابن خلدون فرضاً إلهياً مقدساً. وبهذا، صاغ ابن خلدون نظريته في العمران، مُؤسساً للمجتمع على أنه كيان متكامل يضم الحكومة والرعية، والدولة والمجتمع، لبناء الحضارة وتجسيدها في المدينة المزدهرة.