وبين انتظارٍ وانتظارٍ، تتلاشى حياة الإنسان، فيموت ألف مرة؛ يفقد الثقة، تتضاءل إرادته، يسقط، ينهض، يترنح، يمتلئ حلقه بأدعيةٍ خائفةٍ لا يدري مصدرها، يصرخ بلا صوت، ينظر في وجوه الآخرين ليرى انعكاس وجهه، يتذكر، يقاوم، ينهار، يسقط. ثم يموت مرة أخرى، ينهض من رماد الموت، يتأمل الأمتار القليلة التي يمكن رؤيتها عبر النوافذ، يلامس حبيبات الرمل المتسربة في كل مكان، يملأ حلقه بجرعة ماء ويستبقيها لأطول فترة، لعلها تمده بمزيدٍ من القوة على المقاومة والصمود، يفقد القدرة على الحديث، يفقد القدرة على ابتلاع الماء، يتحول الماء إلى ملح، ويتحول الزبد إلى زبدٍ. يريد أن يصرخ، أن يموت تمامًا، يريد أن تنشق الأرض فجأةً وتبتلعه، يريد ماءً، وظلًا، وينتظر.

إن هناك من يتكاسل في طلب الدنيا، والكسل صفةٌ ذميمة، كما أن عبادة الدنيا صفةٌ ذميمة. بيد أن الإسلام بحاجة إلى دنيا تخدمه، وتدفع عنه، وتمد رواقه. فكيف السبيل إلى جعل القلب متعلقًا بربه، يملك الدنيا كي يسخرها لخدمته، ويجمع المال والبنين ليكونا قوةً للحق، وسياجًا يُحتَمى بهما؟ وكيف يتحول ذكر الله بالغدو والآصال إلى مسلكٍ إيجابيٍ فعال، يجعل أصحابه رهبانًا بالليل وفرسانًا بالنهار؟