أولئك الذين زعموا أن الماضي يمكن أن يُدفن قد أخطأوا، فلقد حاولتُ نسيانه وطمره، بيد أنه لا ينفك يجد سبيله للعودة إليّ.
أرتادُ عالمَ وَهْمي عند الغروب، وأُوقِدُ جمرةَ الماضي الرتيب. أُمعنُ النظرَ في المرآة لأستجليَ الوجهَ الغريب، فأدركُ أني ما زلتُ يا هذا صبيًا.
إن الشعب الذي لا يمتلك كتابًا كالإنسان الذي يسير مغمض العينين، لا يدرك العالم من حوله. وهو أيضًا كالإنسان الذي بلا مرآة، لا يستطيع أن يرى وجهه ويعرف ذاته.
أتُرى كانت الحياة في غابر الأزمان بسيطةً وعفويةً حقًا، أم أن حلاوة الذكرى هي التي تُضفي على الماضي بهاءً في أعيننا، فنستطيبه ونستلذ به؟
يا أصدقاء، لا تغفلوا عن رفاقكم القدامى في غمرة أفراحكم وبهجاتكم. لا تُديروا لهم وجهًا عابسًا، فهم ما زالوا يستجدون عطاء سماواتهم، بينما سماءكم قد أمطرت وأخرجت لكم الأرض من خيراتها الوفيرة. يا أصدقاء: لا نبتغي منكم أن تقتسموا أفراحكم، أو أن تقتطعوا منها شيئًا لتجودوا به علينا. لا نرغب في أن تُنقصوا من ضحكاتكم بهجةً. إن كان وجودنا يثقل خاصرة بهجتكم، فلنا في رحاب الحياة متسعٌ بعيدًا عنكم. وإن اعترانا ألمٌ، فلن تشعروا به. يا أصدقاء: هذه الوحدة التي خلفتموها لنا، والأحلام الشحيحة التي ما زلنا نقتات منها بعد رحيلكم، وبقايا الذكريات التي تشاركناها فيما مضى، كل ذلك سيكفينا. لكن أرجوكم، لا تسلبونا صوركم الجميلة القديمة. لا تحرمونا بهجة أن نذكركم بالخير. لا تنتزعوا منا أحزاننا اليسيرة التي لا تطيقونها، لأنها تُذكِّركم بماضيكم. وإن أردتم يومًا أن تعطفوا علينا، فستجدوننا بانتظاركم على ذات الرصيف، نبتسم لكم، كما لو أنكم لم ترحلوا قط.