حملتُ شكوى الشعبِ في قصيدتي إلى حارسِ العقيدةِ وصاحبِ الجلالةِ الأكيدةِ. قلتُ له: شعبُكَ يا سيدنا قد صارَ “على الحديدةِ”، شعبُكَ يا سيدنا تهرأتْ من تحتِهِ الحديدةُ، شعبُكَ يا سيدنا قد أكلَ الحديدةَ! وقبل أن أفرغَ من تلاوةِ القصيدةِ، رأيتُهُ يغرقُ في أحزانهِ ويذرفُ الدموعَ. وبعد يومٍ، صدرَ القرارُ في الجريدةِ: أن تصرفَ الحكومةُ الرشيدةُ لكلِّ ربِّ أسرةٍ حديدةً جديدةً!
ربما كنتُ أريدُ أن أخدمَ الإنسانيةَ، ولسوفَ أخدمُها، ولعلّني سأخدمُها أكثرَ من جميعِ الواعظينَ عشرَ مراتٍ. ولكنني لا أريدُ أن يفرضَ عليَّ هذه الخدمةَ أحدٌ، لا أريدُ أن يُكرهَني عليها أحدٌ إكراهاً. أما أن أركضَ وأمضي أتشبثُ بأعناقِ الناسِ حباً بالإنسانيةِ، وأن أذرفَ الدموعَ رقةً وحناناً، فما ذلك إلا “موضةٌ”.
وهل يعودُ من كانَ تعوزُهُ النقودُ؟ وكيفَ تدّخرُ النقودَ وأنتَ تأكلُ إذ تجوعُ؟ وأنتَ تنفقُ ما تجودُ به الكرامُ على الطعامِ؟ لتبكينَّ على العراقِ فما لديكَ سوى الدموعِ، وسوى انتظاركَ، دونَ جدوى، للرياحِ وللقلوعِ.
ولستُ أدري، حين كنتُ أضع رأسه على كتفي، هل كنتُ أضع رأسه حقًّا، أم كنتُ أضع تلك الدموع التي ربما كانت تبحثُ عن كتفٍ مثلنا؟
فزعتُ إلى الدموع فلم تجبني، وفقدُ الدمعِ عندَ الحزنِ داءُ. وما قصّرتُ في جزعٍ، ولكن إذا غلبَ الأسى ذهبَ البكاءُ.
وإذا هجرك جميع الناس وطردوك شرَّ طردةٍ، فاسجد على الأرض حين تصبح وحيدًا، وأغمرها بقبلاتك. اسقِ الأرض بدموعك، فإن هذه الدموع تحمل ثمارًا، ولو لم يرك أو يسمعك في عزلتك أحد. حافظ على إيمانك حتى النهاية، ولو كان عليك أن تبقى الإنسان الوحيد الذي يحافظ عليه.
يا أمّاه! لا تقلعي الدموع من جذورها! للدمعِ يا والدتي جذورٌ تخاطب المساء كلَّ يومٍ تقول: يا قافلة المساء! من أين تعبرين؟
قال الحكيم: لا تلتفت إلى ما يرتسم على الوجوه، ولا تصغِ إلى ما تنطق به الألسن، ولا تعبأ بما تسكبه العيون من دموع؛ فكل هذا قشرٌ خارجيٌّ للإنسان، والإنسان يغير قشوره كل يوم. بل ابحث عن الجوهر الكامن تحت هذا السطح.