إن كل تدين يُجافي العلم، ويُخاصم الفكر، ويرفض إبرام صلحٍ شريفٍ مع مقتضيات الحياة، هو تدينٌ قد فقدَ أهليته للبقاء والاستمرار. فالتدين الحقيقي ليس جسدًا ناحلًا أرهقه الجوع والسهر، بل هو جسدٌ مفعمٌ بالقوة التي تُعينه على أداء الواجبات الجسام، ومفعمٌ بالأشواق إلى الطيبات الحلال من متاع الدنيا.
كن للعلم طالبًا باحثًا، وناقش في الحلال والحرام، وإياك النطق بالقول الفاحش، بل اقتصر على ما يرضي الله من الكلام.
إن المال ما هو إلا جزء يسير من الرزق، فثمة رزق الصحة، ورزق الولد، ورزق الطعام، ورزق البركة في العمر والمال والأهل. وكل نعمة يمنّ بها الله سبحانه وتعالى على عبده هي رزق، لا يقتصر مفهومه على المال وحده.
لقد ضمن الله لك رزقك فلا ينبغي أن تقلق بشأنه، ولكنه سبحانه لم يضمن لك الجنة فلا ينبغي أن تفتُر عن العمل لها. واعلم أن الناجين من عذاب الله قلة، وأن زيف هذه الدنيا وزخرفها زائل لا محالة، وأن كل نعمة تتمتع بها دون نعيم الجنة مصيرها الفناء، وكل بلاء يصيبك دون عذاب النار هو في حقيقته عافية. فقف لنفسك محاسبًا ومراجعًا قبل أن يفوت الأوان.
من ظن أن الرزق يُنال بالقوة الغاشمة، فليعلم أن العصفور ما كان ليأكل شيئًا مع النسر. واعلم أنك ستزول عن هذه الدنيا، فإنك لا تدري إذا أقبل عليك الليل هل ستعيش حتى تدرك الفجر.
من جمع المال الحلال على المال الحرام ظنًا منه أنه سيكثره، فليعلم أن الحرام إذا خالط الحلال أفسده ومحا بركته، فبدل أن يكثره بعثره وأذهبه.
يا ابن آدم، الرزق رزقان: رزق تسعى إليه، ورزق يسعى إليك، فإن لم تبلغه أتاك. فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك، فكفاك كل يوم ما فيه. فإن كانت السنة من عمرك، فإن الله تعالى سيؤتيك في كل غدٍ جديدٍ ما قُسِم لك. وإن لم تكن السنة من عمرك، فما تصنع بالهمّ فيما ليس لك؟ ولن يسبقك إلى رزقك.