الآن يا وطني أعود إليك، فتُوصَدُ في عيوني كلُّ الأبوابِ. لِمَ ضِقْتَ يا وطني بنا؟ قد كان حلمي أن يزول الهمُّ عني عند بابك، وقد كان حلمي أن أرى قبري على أعتابك. الملح كفَّنني، وكان الموج أرحم من عذابك. ورجعتُ كي أرتاح يومًا في رحابك، فبخلتَ يا وطني بقبرٍ يحتويني في ترابك. فبخلتَ يومًا بالسكنِ، والآن تبخلُ بالكفنِ. ماذا أصابك يا وطني؟

الحياةُ واسعةٌ وضيقةٌ. حين نكونُ غارقينَ في غمارِها، نزرعُ ونقتلعُ، نُربّي ونُكبّرُ، نحملُ ونضعُ، نذهبُ ونعودُ، نصعدُ ونهبطُ، نحبُّ ونكرهُ، نحملُ الهمَّ وننتظرُ الفرجَ، حينئذٍ تبدو واسعةً. ولأننا فيها، يحيطُ بنا الناسُ من كلِّ جانبٍ، فالكلُّ مهمومٌ أو فرحٌ، والكلُّ يشاركُنا الوجودَ فيها، فتظلُّ واسعةً. أما إذا وقفنا بعيدًا، ننظرُ إليها من منظورٍ مجرّدٍ، قلنا: إنها ضيقةٌ كخرمِ الإبرةِ. وتساءلنا: ما الغايةُ من العيشِ إذا كان المصيرُ الموتَ؟ نبني، ونهايةُ البناءِ هدمٌ، نُعمّرُ، فتأخذُ الريحُ ما شيّدنا، نُكبّرُ، فنجدُ أكفَّنا خاويةً. إني أقولُ: لنعشْها فنراها واسعةً حتى لو ضاقت، فإذا تأملناها من بعيدٍ، بدت خانقةً وضيقةً بلا معنى ولا جدوى.

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجا مني لعفوك سلما. تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما. فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرما. فلولاك لم يصمد لإبليس عابد، فكيف وقد أغوى صفيك آدما. فلله در العارف الندب، إنه تفيض لفرط الوجد أجفانه دما. يقيم إذا ما كان في ذكر ربه، وفيما سواه في الورى كان أعجما. ويذكر أيامًا مضت من شبابه، وما كان فيها بالجهالة أجرما. فصار قرين الهم طول نهاره، أخا السهد والنجوى إذا الليل أظلما. يقول حبيبي أنت سؤلي وبغيتي، كفى بك للراجين سؤلاً ومغنما. ألست الذي غذيتني وهديتني، ولا زلت منانا علي ومنعما. عسى من له الإحسان يغفر زلتي، ويستر أوزاري وما قد تقدما.