جوهر المقولة
يضرب ابن حزم هنا أمثلة بليغة لتبيان حقيقة فلسفية عميقة مفادها أن الأشياء إذا تجاوزت حدها انقلبت إلى ضدها أو أحدثت أثراً سلبياً مدمراً، حتى لو كانت في جوهرها تبدو غير ضارة أو حتى نافعة.
فالثلج البارد، إذا طال حبسه في الكف، قد يحرق الجلد ويصيبه بالضرر كما تفعل النار، وهذا يرمز إلى أن الإفراط في الشيء، حتى لو كان بارداً وهادئاً، قد يؤدي إلى نتائج مؤلمة وغير متوقعة.
أما الغم، وهو شعور طبيعي، فإذا تجاوز حده المعقول وتعمق في النفس، فإنه يصبح قاتلاً للنفس والروح، وربما للجسد أيضاً، مبيناً خطورة الإفراط في الحزن والهم.
وكذلك الضحك، الذي هو تعبير عن الفرح والسرور، إذا اشتد وتجاوز حدود الاعتدال، فإنه قد يبلغ من الشدة حداً يثير الدموع، لا دموع الحزن بل دموع الإفراط في الشعور، مما يؤكد أن كل عاطفة، مهما كانت إيجابية، تحتاج إلى توازن.
الخلاصة هي دعوة للتوازن والاعتدال في كل شيء، وأن الإفراط في أي أمر، سواء كان مادة أو شعوراً، يحمل في طياته بذور نقيضه أو هلاكه.