الحياةُ حلوةٌ، وإنِّي لأحيا ولو على خلافِ كلِّ منطقٍ. أنا لا أؤمنُ بحكمةِ نظامِ الكونِ، ولنسلِّمْ بهذا. ولكنَّني أحبُّ وريقاتِ الأشجارِ الطريَّاتِ النَّديَّاتِ حينَ تطلعُ في الربيعِ، وأحبُّ السماءَ الزرقاءَ، وأحبُّ أيضاً – دونَ أن أدري لماذا، هل تصدقُ ذلك؟ – أحبُّ أيضاً بعضَ البشرِ. وتهزُّني الحماسةُ لإعمالِ البطولةِ الإنسانيةِ التي انقطعتُ مع ذلك عن الإيمانِ بها منذُ زمنٍ طويلٍ.
من زعم أن الشتاء واحدٌ في كل بقعةٍ من بقاع الأرض؟! يا صديقي، لكل مدينةٍ مطرُها الخاص الذي يميزها عمن سواها، ولكل مدينةٍ شوارعُها وصباحاتُها وياسمينُها ورائحتُها وعشاقُها المبللون بعطر السماء. لكل مدينةٍ طقوسُها الخاصة في استقبال الضيوف، وتوديع المسافرين، ومقارعة الأعداء… لكل مدينةٍ مساجدُها وكنائسُها، وصلواتُها ودعواتُها. فكيف لك أن تعيش في مدينةٍ لا تشبهك، ولا تجد في طرقاتها وجه أمك ورائحة كفيها المخضوبين بالحناء؟!
لو تمنيتُ المستحيل، لاخترتُ الوحدة التامة يا عزيزتي، أرغب أن نكون وحيدين تمامًا على هذه الأرض، وبشكلٍ كليٍّ تحت هذه السماء.
أعلى الجمالِ تغارُ منّا؟ ماذا علينا إذْ نظرنا؟ هي نظرةٌ تُنسي الوقارَ، وتُسعدُ الروحَ المُعنَّى. دنياي أنتِ وفرحتي، ومُنى الفؤادِ إذا تمنّى. أنتِ السماءُ بدت لنا، واستعصمت بالبُعدِ عنّا.
إنني لأتوق بشدة إلى الحياة؛ أصبو لأن تكون حياتنا مقدسة، سامية، مهيبة كقبة السماء. سنحيا! فالشمس لا تشرق في اليوم مرتين، والحياة لا تُمنح إلا مرة واحدة، فلنتشبث بقوة بما تبقى من عُمرنا ولننقذه.
عدونا الحقيقي في هذا الزمان، ليس كامنًا في السماء ولا مستقرًا في الأرض، بل يكمن في أعماق أنفسنا؛ إنه تلك الحقيقة المطمورة.
العاديون هم الذين يحفظون للمجتمعات توازنها، وهم الذين يعرفون طريق الأمان حتى ولو لم يكونوا قد اختبروه إلى النهاية. لكنهم شُطّارٌ جدًا في وضع رتوش لوحة حياتك، يضعون ملامح عامة يحفظونها جيدًا ويتناقلونها جيلًا بعد جيل، يُشيعونها بهدوء وثقة دون خطة منظمة، يرمونها لك في الحوارات العابرة بعد انتهاء صلاة الجمعة، ويتركون لك حرية الجنون داخل هذه الحدود شرط ألا تحطمها.