الحياةُ حلوةٌ، وإنِّي لأحيا ولو على خلافِ كلِّ منطقٍ. أنا لا أؤمنُ بحكمةِ نظامِ الكونِ، ولنسلِّمْ بهذا. ولكنَّني أحبُّ وريقاتِ الأشجارِ الطريَّاتِ النَّديَّاتِ حينَ تطلعُ في الربيعِ، وأحبُّ السماءَ الزرقاءَ، وأحبُّ أيضاً – دونَ أن أدري لماذا، هل تصدقُ ذلك؟ – أحبُّ أيضاً بعضَ البشرِ. وتهزُّني الحماسةُ لإعمالِ البطولةِ الإنسانيةِ التي انقطعتُ مع ذلك عن الإيمانِ بها منذُ زمنٍ طويلٍ.

من زعم أن الشتاء واحدٌ في كل بقعةٍ من بقاع الأرض؟! يا صديقي، لكل مدينةٍ مطرُها الخاص الذي يميزها عمن سواها، ولكل مدينةٍ شوارعُها وصباحاتُها وياسمينُها ورائحتُها وعشاقُها المبللون بعطر السماء. لكل مدينةٍ طقوسُها الخاصة في استقبال الضيوف، وتوديع المسافرين، ومقارعة الأعداء… لكل مدينةٍ مساجدُها وكنائسُها، وصلواتُها ودعواتُها. فكيف لك أن تعيش في مدينةٍ لا تشبهك، ولا تجد في طرقاتها وجه أمك ورائحة كفيها المخضوبين بالحناء؟!

العاديون هم الذين يحفظون للمجتمعات توازنها، وهم الذين يعرفون طريق الأمان حتى ولو لم يكونوا قد اختبروه إلى النهاية. لكنهم شُطّارٌ جدًا في وضع رتوش لوحة حياتك، يضعون ملامح عامة يحفظونها جيدًا ويتناقلونها جيلًا بعد جيل، يُشيعونها بهدوء وثقة دون خطة منظمة، يرمونها لك في الحوارات العابرة بعد انتهاء صلاة الجمعة، ويتركون لك حرية الجنون داخل هذه الحدود شرط ألا تحطمها.