على الإنسانِ أن يصلَ إلى غايةِ ما يستطيعُ، فلو كان لآدميٍّ بلوغُ السماءِ، لكانَ من النقائصِ بقاؤهُ على الأرضِ.
لقد خلق الله لكل روحٍ روحًا أخرى تماثلها وتكملها، تسعد بلقائها وتشقى بفراقها. بيد أنه قدر أن تضل كل روح عن أختها في الحياة الدنيا، فذلك هو شقاء الدنيا؛ وأن تهتدي إليها في الحياة الآخرة، وتلك هي سعادة الآخرة. فإن فاتتني سعادتي بك في الأرض، فسأنتظرها في علياء السماء.
هنا أصلُ الحكاية: أن المُرَبِّي لم يُرَبَّ على خُلقٍ سوى الجهل وبعضٍ من تقاليد البداوة. هنا أصلُ الحكاية: أن المُحاسِب لا يُحاسَب؛ أعند الله فقط يلقى حسابه؟ هنا أصلُ الحكاية: أن المُعَلِّمَ لم يُعَلَّم؛ أرأيتَ السماءَ يومًا تُمطر بلا غَمامة؟ يصيحُ الطفلُ في وطني: “أين العدالة؟ أين العدالة؟” أيُعقل أن يجدها قبل أن يأتي يوم القيامة؟ أم أن يموت ولم يجدها، وبعد الموت يلقاها هنا في هذه الدنيا وقد كانت تخشى الإبانة؟ يصيحُ الطفلُ في وطني: “أين الكرامة؟ أين الكرامة؟” أيُعقل أن يراها اليوم في سروال أبيه، وقد كانت مخبأةً تحت العباءة؟ أكان أبوه شيخًا ولم يخلع عباءته يومًا أمامه؟ أم كان يخجل أن يخلعها حتى لا يَبين عارُه؟ خذ يا إلهي ما تبقَّى مني؛ فلم يبقَ لديَّ هنا في دنياكَ ما أخشى ضياعه. فهذه أصلُ الحكاية، هذه أصلُ الحكاية.
تضيقُ بنا الأرضُ، وتُحشَرُنا في الممرِّ الأخيرِ، فنخلعُ أعضاءَنا كي نَمُرَّ. إلى أينَ نذهبُ بعدَ الحدودِ الأخيرةِ؟ أينَ تطيرُ العصافيرُ بعدَ السماءِ الأخيرةِ؟ أينَ تنامُ النباتاتُ بعدَ الهواءِ الأخيرِ؟
قالَ لبائعِ الورودِ وهو يتأمّلُ السماءَ من خلفِ النافذةِ: ‘أعطِني ورودًا بعددِ هذه الغيماتِ.’ فسألهُ البائعُ مبتسمًا وقد شاركهُ النظرَ إلى الغيماتِ: ‘وما حاجتُكَ إلى كلِّ هذه الورودِ؟’ فأجابهُ: ‘أخبرَتْني بأنّها تهوى تأمّلَ السماءِ، لذا أودُّ أن أغرسَ لها في كلِّ غيمةٍ وردةً، كي يليقَ المشهدُ أكثرَ بجمالِ عينيها.’
أَسُوحُ بتلكَ العيونِ على سُفُنٍ من ظنونِ هذا النقاءِ الحنونِ، أَشُقُّ صباحاً إثرَ صباحٍ، وتَعْلَمُ عيناكِ أنِّي أُجَدِّفُ عَبْرَ القُرُونِ جُزُراً. فهل تُدركينَ؟ أنا أوَّلُ المُبْحِرينَ على حِبالي هناكَ، فكيفَ تقولينَ: هذي جُفُونٌ تجرحُ صدرَ السكونِ؟ تساءلتِ، والفُلْكُ سَكرى: أَفي أَبَدٍ من نجومٍ ستُبْحِرُ؟ هذا جنونٌ! قَذَفْتُ قُلُوعي إلى البحرِ لو فَكَّرَتْ أنْ تَهُونَ على مرفأٍ لن يكونَ. عزائي إذا لم أعُدْ، أَفي أَبَدٍ من نجومٍ ستُبْحِرُ؟ هذا جنونٌ! قَذَفْتُ قُلُوعي إلى البحرِ لو فَكَّرَتْ أنْ تَهُونَ. ويُسعدُني أنْ أَلوبَ على مرفأٍ لن يكونَ. عزائي إذا لم أعُدْ أنْ يُقالَ: انتهى في عيونٍ.