جوهر المقولة
تُعدُّ هذه المقطوعة الشعرية الغنية لنزار قباني رحلةً عميقةً في بحر العشق والهذيان، حيث تتحول عينا المحبوبة إلى فضاءٍ شاسعٍ للإبحار، والظنون إلى سُفنٍ تحمل الشاعر في رحلته الوجودية. إنها تعبير عن شغفٍ لا يحده زمان ولا مكان، فالتجديف عبر القرون والجزر يرمز إلى استمرارية البحث والتوق، وإلى عمق التجربة العاطفية التي تتجاوز حدود الحياة العادية.
يُبرز الشاعر هنا التناقض بين نظرته العميقة لرحلته ونظرة المحبوبة التي قد تراها مجرد جفونٍ عابرة، مما يولد لديه شعوراً بالوحدة في فهم هذا الشغف. وتتكرر فكرة الجنون كرفضٍ للمنطق السائد في الحب، حيث يُقدم على التضحية بكل ما يملك – كإلقاء القلوع في البحر – في سبيل هذا العشق، حتى لو كان المرفأ المنشود لن يكون. هذا التحدي للمنطق هو جوهر الحب الحقيقي الذي لا يقبل المساومة.
يبلغ ذروة التعبير عن هذا الشغف في قبول المصير، حيث يصبح العزاء الأسمى للمحب إذا لم يعد، هو أن يُقال عنه: "انتهى في عيونٍ". هذا يعني أن غايته القصوى ووجوده كله قد ذاب وتلاشى في عيني المحبوبة، ليصبح جزءاً من كيانها، وهذا هو الانتصار الأكبر في قاموس العشاق، حيث الخلود لا يكون في البقاء، بل في الفناء في ذات المحبوب.