حكمة
نص موثق
«

هنا أصلُ الحكاية: أن المُرَبِّي لم يُرَبَّ على خُلقٍ سوى الجهل وبعضٍ من تقاليد البداوة. هنا أصلُ الحكاية: أن المُحاسِب لا يُحاسَب؛ أعند الله فقط يلقى حسابه؟ هنا أصلُ الحكاية: أن المُعَلِّمَ لم يُعَلَّم؛ أرأيتَ السماءَ يومًا تُمطر بلا غَمامة؟ يصيحُ الطفلُ في وطني: “أين العدالة؟ أين العدالة؟” أيُعقل أن يجدها قبل أن يأتي يوم القيامة؟ أم أن يموت ولم يجدها، وبعد الموت يلقاها هنا في هذه الدنيا وقد كانت تخشى الإبانة؟ يصيحُ الطفلُ في وطني: “أين الكرامة؟ أين الكرامة؟” أيُعقل أن يراها اليوم في سروال أبيه، وقد كانت مخبأةً تحت العباءة؟ أكان أبوه شيخًا ولم يخلع عباءته يومًا أمامه؟ أم كان يخجل أن يخلعها حتى لا يَبين عارُه؟ خذ يا إلهي ما تبقَّى مني؛ فلم يبقَ لديَّ هنا في دنياكَ ما أخشى ضياعه. فهذه أصلُ الحكاية، هذه أصلُ الحكاية.

»
مثل الحسبان العصر الحديث والمعاصر

جوهر المقولة

هذه المقولة هي صرخة احتجاجية عميقة، تكشف عن فساد مجتمعي متجذر وتدهور قيمي شامل. يبدأ النص بتحديد "أصل الحكاية" في غياب التربية السليمة، حيث يربي المربي على الجهل والتقاليد البالية، مما يؤسس لدورة من التخلف والفساد.

ثم ينتقل إلى نقد لاذع لغياب المساءلة، حيث "المحاسب لا يحاسب"، مما يثير تساؤلًا فلسفيًا حول العدالة الإلهية مقابل العدالة الدنيوية الغائبة. كما يشير إلى عجز المعلم عن التعليم، مستخدمًا استعارة السماء التي لا تمطر بلا غمام، للدلالة على أن العطاء لا يمكن أن يأتي من فراغ.

صرخة الطفل المتكررة "أين العدالة؟ أين الكرامة؟" هي قلب المقولة النابض. إنها تعبر عن يأس جيل كامل من إيجاد هذه القيم في الواقع المعاش، وتطرح تساؤلات مؤلمة حول إمكانية تحققها في الحياة الدنيا أو تأجيلها إلى الآخرة. الفكرة هنا هي أن العدالة والكرامة ليستا مجرد مفاهيم مجردة، بل هما حق أساسي يجب أن يتجسد في الواقع.

تصوير الكرامة بأنها مخبأة "في سروال أبيه تحت العباءة" هو استعارة قوية جدًا تصور الكرامة كشيء مخزي أو عار يتم إخفاؤه، أو كقيمة فقدت معناها الظاهر وأصبحت حبيسة الخجل أو العار. تنتهي المقولة بتعبير عن اليأس المطلق من الدنيا، والتخلي عن كل ما فيها، مما يعكس ذروة الإحباط والرفض للواقع المرير.