ألم تعلمي أن قعودي لا يؤخر منيتي، ولا رحيلي يدني الوفاة مني؟ فإنك والموت الذي ترهبينه عليّ، وما عذالة بعقول، كداعي هديل لا يُجاب إذا دعا، ولا هو يسلو عن دعاء هديل.
فتقبّلي عشقي على ما فيه من علل، وتقبّلي تبرّمي وتقلّباتي وسوء أفعالي؛ فإني كالبحر في مدّه وجزره وعمق تحوّلاته. إنّ التناقض يسري في دمي، وإني لأُحبّ تناقضاتي.
أجملُ البِحار هو البحرُ الذي لم نذهب إليهِ بعدُ، وأجملُ الأطفال هم الذين لم يكبروا بعدُ، وأجملُ الأيام هي تلك التي في انتظارنا.
تعاطُفُنا مع المواقف المختلفة هو ما يعكس إنسانيتنا، وهو ما يُبرز ما تحمله قلوبنا، سواء أكان أبيضَ أم سوداويًا. فلا تنظر إلى وجوههم، بل انظر إلى انعكاسات قلوبهم من خلال أمانيهم.
الحقيقة أن الأعداء وحدهم هم من يمنحوننا حقيقتنا كاملةً مؤلمةً، بينما الأصدقاء يكتمون تلك الحقيقة باسم الواجب.
آه، توجعني الأصوات البشرية الليلة! لو يصمتون لحظةً وينصتون إلى صوت البحر، وصوت النسغ الراكض في الشجر، وصوت تفتح الأزهار الليلية، وصوت دبيب السرطان فوق الرمل، وحوار القمر والأمواج في لعبة المد والجزر، وصوت السكون لقلب سئم لعبة الكلمات المتقاطعة الحضارية الملقبة خطأً بالحوار. آه، الصمت! وأشتهي لو كان حبيبي سمكةً، يسبح إلى جانبي بصمتٍ، يحدق في وجهي بصمتٍ، ويحبني بصمتٍ، ويهجرني بصمتٍ.
كان بالإمكان أن نكون هناك، أن نقطف من الجنة ما نشاء، ألا نودع حبيبًا، ولا نلوح لراحلٍ، ولا نقيم مجالس العزاء. كان بالإمكان ألا تكون تلك الحروب، وألا يموت رضيعٌ في حضن والدته، ولا يُلقي البحر بجثةٍ، ولا أن يسقط البناء على طفلٍ ليخنق صوته وبكاءه. كان بالإمكان ألا تبكي فتاةٌ على خيانةٍ، ولا فقيرٌ على فقرٍ، ولا مريضٌ على وجعٍ، ولا مشردٌ على قطعة كرتون.