عن عينيكِ الواسعتين، لا يزال البحر خياري الثاني.. عن حاجبيكِ، عن المعارك التي ليس للسيف فيها أي دور.. عن الليل، وما إن يسقط حتى يتناوله شعركِ.. عن خدكِ الذي يُحرِقُ بملمسه إذا لم تبتسمي، وإذا ابتسمتِ.
في مرفأ عينيكِ الأزرق، أمطارٌ من ضوءٍ مسموع، وشموسٌ دائخةٌ وقلوع، ترسم رحلتها للمطلق. في مرفأ عينيكِ الأزرق، شباكٌ بحريٌّ مفتوح، وطيورٌ في الأبعاد تلوح، تبحث عن جزرٍ لم تُخلق. في مرفأ عينيكِ الأزرق، يتساقط ثلجٌ في تموز، ومراكبُ حبلى بالفيروز، أغرقت البحر ولم تغرق. في مرفأ عينيكِ الأزرق، أركض كالطفل على الصخر، أستنشق رائحة البحر، وأعود كعصفورٍ مرهق. في مرفأ عينيكِ الأزرق، أحلم بالبحر وبالإبحار، وأصيد ملايين الأقمار، وعقود اللؤلؤ والزنبق. في مرفأ عينيكِ الأزرق، تتكلم في الليل الأحجار. في دفتر عينيكِ المغلق، من خبّأ آلاف الأشعار؟ لو أني.. لو أني.. بحار، لو أحدٌ يمنحني زورق، لأرسيتُ قلوعي كل مساء، في مرفأ عينيكِ الأزرق.
أنا المستبعدُ، الخارجُ على القانونِ، الملعونُ الذي لا يستسلم! أنا البطلُ الذي يموتُ في الصفحةِ الأولى! أنا سوءُ الفهمِ الذي يؤدي إلى الشجار! لستُ أدري ما إذا كانَ البحرُ يصنعُ الأمواجَ أم يتحملها! لستُ أدري ما إذا كنتُ أنا المفكرَ أم فكرةً عارضةً.
إن المذابح التي تلوح في الأفق البعيد، عبر البحار في آسيا، وتنتقل فصولها من البوسنة والهرسك إلى بورما، ومن طاجيكستان إلى سريلانكا والهند، ستطرق أبواب ديار الإسلام عما قريب. وسيقصدون ديارنا نحن الذين يُنظر إلينا على أننا نأوي رأس الأفعى، فبعد أن قطعوا ذيلها، سيتوجهون إلى الرأس ليقضوا على المشكلة برمتها.
نعم، لقد مررتُ بالحزن، لكنه لم يكن قط كهفًا أعتكف فيه، بل كان جسرًا أعبره إلى ما وراءه. وإن كنتَ قد رأيتني محطَّمًا وبائسًا في لحظاتٍ ما، فلم يعنِ ذلك قط أن البحر الذي في داخلي قد هدأ واستكان، أو أن الريح التي تعوي في أعماقي قد صمتت. إن الحزن ليس نقيضًا للحياة، بل هو جزءٌ أصيلٌ منها. وهل بإمكاننا أن نفرح دون أن يكون لدينا استعدادٌ للبكاء؟ هل يمكننا أن نسعد برؤية مولودٍ جديد دون أن نكون قادرين على الحزن لوفاة عجوز؟ أو هل يُفرحنا انتشار شذى الأزهار ولا يُحزننا جفاف النهر؟
البحر لا يكذب؛ يقولون إن البحر يجمع العشاق. ذهبنا صدفةً، ورأتنا شمس الغروب ونحن معًا، ثم عدنا ولم نجتمع بعدها. فإما أن البحر قد كذب علينا، وإما أنها لم تعشق، والغالب أن البحر لا يكذب.