إن أولى خصال الخير التي يتحلى بها المرء في هذه الحياة الدنيا هي العقل، وهو بحق من أجلِّ النعم التي أنعم الله بها على عباده، لذا فليس من الحكمة أن يدنِّس المرء هذه النعمة الإلهية بمخالطة من يتصف بضدها.
حين بلغت التاسعة عشرة، ولّاني أبي إمارة مغنيسيا لأتدرب على شؤون الحكم والسياسة، وكان أستاذي ومعلمي آق شمس الدين والمُلا كوراني. كانت حياتي قاسية نظراً لكونها لأمير، وأي أمير! ووارث لأكبر وأرقى دولة على وجه الأرض: الخلافة الإسلامية. كنت أطوف الشوارع متأسياً بسيدنا عمر بن الخطاب لأقف على أحوال الناس… ونداء أبي: “ارفع رأسك وانظر دائماً أمامك” لم يعد تدريباً للفروسية فحسب، بل غدا شعار حياةٍ. لقد دوّنت أحوالاً كثيرة، واختبرت أشخاصاً، واكتشفت تقنيات. ولما توليت الحكم سلطاناً، فوجئ الشعب بقدرات ابن الواحد والعشرين سنة، فأحدثت تحديثاً شاملاً في كل شيء: دواوين الإدارة، المدارس، الجيش، الأسلحة. فرضتُ تعلم القرآن واللغة العربية، ولم يكن يتولى المناصب عندي إلا المعروف بصلاحه وتقواه. كانت كلمات سيدنا عمر رضي الله عنه تداخِلُني: “إنما ننتصر عليهم بالتقوى، فلتكن إذن أول المتقين”. ما سمعت عن عالم أو شاعر أو كل محترف في أي مجال إلا واستدعيته للأستانة وأجزلت له العطاء لنستفيد من اقتداره. الكفاءة وحدها كانت مؤهل العاملين، وبنيتُ أكبر مدفع في العالم، وأكثرتُ من المدافع والسفن الخفيفة.
لنجعلْ من أنفسِنا معًا شيئًا أكثرَ بساطةً ويُسرًا؛ لنضعْ أذرعَنا معًا ونصنعَ منها قوسًا بسيطًا فوقَ التعقيداتِ التي نعيشُها وتستفزُّنا.. لنحاولْ ذلك على الأقلِّ. أنتِ عندي أروعُ من غضبِكِ وحزنِكِ وقطيعتِكِ. أنتِ عندي شيءٌ يستعصي على النسيانِ، أنتِ نبراسُ هذا الظلامِ الذي أغرقتني أغوارُهُ الباردةُ الموحشةُ. وأنا لا أحبُّكِ فقط، بل إنني أؤمنُ بكِ مثلما كانَ الفارسُ الجاهليُّ يؤمنُ بكأسِ الموتِ يشربُهُ وهو ينزفُ حياتَهُ، بل سأضعُها لكِ كما يلي: أؤمنُ بكِ كما يؤمنُ الأصيلُ بالوطنِ، والتقيُّ باللهِ، والصوفيُّ بالغيبِ.