قيلَ عن الألم إنه المبراةُ للقلم الحرّ الجادّ في الكتابة، فسارعَ الكُتّابُ إلى التباكي والتشاكي. وقيلَ عن العلم إنه الرفعةُ للشأنِ الإنسانيّ ويزيدُ من الكفاءة، فاشترى اللّص شهادةً وعاشَ في المعالي. وقيلَ عن الرسم إنه الخالقُ لحياةٍ افتراضيةٍ ملأى بالسعادة، فرسمَت الشابّة المبدعة رجلها تاركةً جهدَ المساعي. وقيلَ عن السّرّ إنه إذا شاع أفسد، ففسدَ الجميع إلا قليلًا، وتكاثرت التحديات.

القدس، إنها جزءٌ لا يتجزأ من عقيدة أمةٍ يبلغ تعدادها مليارًا وثلث المليار، وليست مجرد قضيةٍ وطنيةٍ لثمانية ملايين من الفلسطينيين، ولا مجرد مشكلةٍ قوميةٍ لأقل من ثلاثمائة مليون عربي… إنها عاصمة الوطن الفلسطيني، ومحور الصراع العربي الصهيوني، وفوق كل ذلك، إنها عقيدةٌ إسلاميةٌ وحرمٌ مقدسٌ.

لما استفسرتُ عن كنهِ الحقيقة، أُجِبتُ بأنَّ الحقَّ هو ما توافقت عليه جموعُ الناس. فعجبتُ كيف ذبحتُ ثوري في وضحِ النهار، بينما الهندُ بأسرها تعبدهُ هناك. إننا نرضخُ لحكمِ الأكثريةِ كما يرضخُ الوليدُ للظلمِ من والديه، إما طمعًا في نفعٍ يرجوهُ منهما، أو خشيةً من أن يُصيبهُ سوءٌ بسببهما.

أنا لستُ أهجو الحاكمين بذواتهم، بل أهجو بذكرِ الحاكمينَ هجائي ذاته. أمنَ الأدبِ أن أقولَ لقاتلي: ‘عذرًا إن جرحتْ يداكَ بدمائي’؟! أأقولُ للكلبِ العقورِ تأدُّبًا: ‘دغدِغْ بنابكَ يا أخي أشلائي’؟! أأقولُ للقوّادِ: ‘يا صديقي’، أو أدعو البغيَّ بـ ‘مريمَ العذراءِ’؟! أأقولُ للمأبونِ حينَ ركوعهِ: ‘حَرَمًا’، وأمسحُ ظهرهُ بثناءٍ؟! أأقولُ للصِّ الذي يسطو على كينونتي: ‘شكرًا على إلغائي’؟! إنَّ الحاكمينَ همُ الكلابُ، مع اعتذاري للكلابِ، فالكلابُ حفيظةٌ لوفاءٍ.