حكمة
نص موثق
«

أنا لستُ أهجو الحاكمين بذواتهم، بل أهجو بذكرِ الحاكمينَ هجائي ذاته. أمنَ الأدبِ أن أقولَ لقاتلي: ‘عذرًا إن جرحتْ يداكَ بدمائي’؟! أأقولُ للكلبِ العقورِ تأدُّبًا: ‘دغدِغْ بنابكَ يا أخي أشلائي’؟! أأقولُ للقوّادِ: ‘يا صديقي’، أو أدعو البغيَّ بـ ‘مريمَ العذراءِ’؟! أأقولُ للمأبونِ حينَ ركوعهِ: ‘حَرَمًا’، وأمسحُ ظهرهُ بثناءٍ؟! أأقولُ للصِّ الذي يسطو على كينونتي: ‘شكرًا على إلغائي’؟! إنَّ الحاكمينَ همُ الكلابُ، مع اعتذاري للكلابِ، فالكلابُ حفيظةٌ لوفاءٍ.

»
أحمد مطر العصر الحديث

جوهر المقولة

تُشكلُ هذه المقولةُ هجاءً لاذعًا للظلمِ والنفاقِ الاجتماعيِّ، مُستنكرًا فكرةَ الأدبِ الزائفِ في مواجهةِ الطغيانِ. يرفضُ الشاعرُ بشدةٍ محاولةَ تجميلِ القبحِ أو تلطيفِ القسوةِ بألفاظٍ مهذبةٍ، مُتسائلًا باستنكارٍ عن مدى قبولِ النفسِ البشريةِ لتلكَ المفارقةِ الأخلاقيةِ، حيثُ يُطلبُ من الضحيةِ أن تعتذرَ لجلادها، أو أن تُكرمَ من يُدنسُها.

يُبرزُ النصُّ ضرورةَ تسميةِ الأشياءِ بأسمائها الحقيقيةِ، مهما كانت قسوةُ التسميةِ، خاصةً عندما يتعلقُ الأمرُ بمن يسطو على الوجودِ والكرامةِ. يصلُ الشاعرُ إلى ذروةِ هجائهِ بتشبيهِ الحاكمينَ بالكلابِ، ثم يعتذرُ للكلابِ نفسها، مُشيرًا إلى أنَّ الكلابَ، على الرغمِ من طبيعتها، تتمتعُ بصفةِ الوفاءِ التي يفتقرُ إليها الحكامُ الظالمونَ. هذا التشبيهُ يُعدُّ إهانةً بالغةً تُجرِّدُ الطغاةَ من أيِّ قيمةٍ إنسانيةٍ أو أخلاقيةٍ، وتُعلي من شأنِ الصدقِ والشجاعةِ في التعبيرِ عن الحقِّ، حتى لو كانَ مؤلمًا.