موعظة
نص موثق
«

واذكر يا أمير المؤمنين: إذا بُعثِرَ ما في القبورِ وحُصِّلَ ما في الصدورِ، فالأسرارُ ظاهرةٌ، والكتابُ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها.

»
الحسن البصري صدر الإسلام

جوهر المقولة

هذه المقولةُ للحسنِ البصريِّ تحملُ في طياتِها تذكيرًا عميقًا بيومِ الحسابِ والعقابِ في العقيدةِ الإسلاميةِ، وتُوجِّهُ خطابًا مباشرًا لأميرِ المؤمنينَ، ممَّا يُضفي عليها بُعدًا أخلاقيًّا وسياسيًّا في آنٍ واحدٍ. إنها تُصوِّرُ مشهدَ البعثِ والنشورِ حيثُ تُبعثَرُ القبورُ، أي تُخرِجُ ما فيها من أجسادٍ، وتُحصَّلُ الصدورُ، أي يُكشفُ ما أُخفِيَ فيها من نيّاتٍ وأسرارٍ وأعمالٍ.

الرسالةُ الفلسفيةُ هنا تتجاوزُ مجردَ الإخبارِ عن حدثٍ مستقبليٍّ، لتُشكِّلَ دعوةً إلى محاسبةِ النفسِ والعملِ الصالحِ في الدنيا. فقولُهُ "فالأسرارُ ظاهرةٌ" يُؤكِّدُ على أنَّ كلَّ خفيٍّ سيُكشفُ، وأنَّ النوايا الخالصةَ والأعمالَ الصادقةَ هي وحدَها التي ستنجو. أمَّا "الكتابُ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها"، فهو إشارةٌ إلى دقةِ العدلِ الإلهيِّ وشموليتِهِ، حيثُ لا يُغفلُ عن أيِّ فعلٍ، مهما بدا يسيرًا أو ضئيلًا، ممَّا يُلزمُ الإنسانَ بالتدقيقِ في كلِّ أقوالِهِ وأفعالِهِ، ويُعزِّزُ لديهِ مفهومَ المسؤوليةِ الفرديةِ المطلقةِ أمامَ الخالقِ.