حكمة
نص موثق
«

هذه، باختصار، قصة الأسلحة السوفيتية: دباباتٌ تهدر في شوارع القاهرة، وتغطي سماءها طائرات الميغ وقاذفات اللهب. لكن لم تهدر دبابة واحدة في شوارع فلسطين المحتلة، ولا حتى واحدة، خلال خمسة وعشرين عاماً من شراء السلاح السوفيتي، ولم تُحلق فوق مدينة إسرائيلية واحدة. لم تخترق طائرة مصرية واحدة، ولو بالخطأ، المجال الجوي الإسرائيلي. كل ذلك كان للاستعراض في شوارع القاهرة وسمائها، بغية أن تُبهَر الجماهير فلا تفكر، فتنتقل من الانبهار بالتسليح الحديث لجيشها الثوري إلى الذهول من هزيمة هذا الجيش أمام العدو القومي. تزغرد النساء ليختفي نحيب وصراخ واحتجاج الجنود والمواطنين الذين قضوا في الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وستنقلب هذه الزغاريد بعد أربعة أشهر فقط إلى نحيب وأسى وارتياع في بيوت جنودنا القتلى والأسرى والمفقودين في معركة عام 1956. سيتأثر العرب ويهرعون للاشتراك في هذا ‘الاستعراض’ في شوارع القاهرة، فإذا جد الجد وجاءت الحرب، سيطلب منهم عبد الناصر عدم التدخل. ويبقى ذلك اللغز الحائر الذي لا يفسره مفتي الناصرية ولا الدراويش.

»
محمد جلال كشك القرن العشرون

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة تحليلاً نقدياً لاذعاً للسياسة العسكرية المصرية في فترة معينة، وتحديداً خلال حقبة الرئيس جمال عبد الناصر، مع التركيز على استخدام الأسلحة السوفيتية. يرى الكاتب أن هذه الأسلحة لم تكن مخصصة للمواجهة الحقيقية مع العدو الإسرائيلي، بل كانت في الأساس أداة للاستعراض الداخلي وإبهار الجماهير.

يشير الكاتب إلى أن الهدف من هذا الاستعراض كان تخدير الوعي الجماهيري ومنعه من التفكير النقدي، ليتحول الانبهار الأولي بقوة الجيش إلى صدمة وذهول عند وقوع الهزائم العسكرية. يربط بين الزغاريد التي تعبر عن الفرح والاحتفال، وبين النحيب والأسى الذي يعقب الهزائم، مسلطاً الضوء على التكلفة البشرية الباهظة للحروب التي تُخاض تحت غطاء الدعاية.

تتجاوز المقولة مجرد السرد التاريخي لتلامس جوهر الفلسفة السياسية، حيث تتناول العلاقة بين السلطة والشعب، ودور الدعاية في تشكيل الوعي العام، وكيف يمكن للمظاهر الخادعة أن تحجب الحقائق المرة. اللغز الحائر الذي يختم به الكاتب يشير إلى وجود دوافع خفية أو تفسيرات غير معلنة لهذه السياسات، لا يستطيع حتى المدافعون عنها (مفتي الناصرية والدراويش) تقديم إجابة شافية لها، مما يعمق الشعور بالخيبة والبحث عن الحقيقة.