حكمة
نص موثق
«

ماذا أصف من دارٍ أولها عناءٌ وآخرها فناءٌ؟ حلالها حسابٌ وحرامها عذابٌ. من أَمِنَ فيها سَقِمَ، ومن مَرِضَ فيها نَدِمَ، ومن استغنى فيها نَدِمَ، ومن افتقر فيها حَزِنَ. ثم إن الدنيا دارُ صدقٍ لمن صدقها، ودارُ فناءٍ لمن تزود منها، ودارُ عافيةٍ لمن استغنى عنها. هي مسجدُ أبينا آدم، ومهبطُ وحيه، ومتجرُ أوليائه. فاكتسبوا منها الرحمة وادخروا منها الجنة.

»
علي بن أبي طالب العصر الراشدي

جوهر المقولة

يُقدم الإمام علي بن أبي طالب في هذه المقولة الشاملة رؤية فلسفية عميقة ومتناقضة لطبيعة الحياة الدنيا. يبدأ بوصفها بدار العناء والفناء، حيث لا يدوم فيها شيء، وحيث كل مكسب حلال يُحاسب عليه الإنسان، وكل مكسب حرام يُعاقب عليه.

يُبرز التناقضات في تجربة الإنسان معها: فالآمن فيها قد يُصاب بالوهن، والمريض يندم على ما فاته، والغني يندم على تفريطه في حق الله أو انشغاله بالمال، والفقير يحزن على حاله. هذه الصورة الأولى تُظهر الدنيا كفخ يوقع البشر في الشقاء والندم.

ثم ينتقل إلى جانب آخر أكثر إيجابية، فيُبين أن الدنيا ليست شرًا مطلقًا، بل هي دار صدق لمن عاملها بصدق واستغلها في طاعة الله، ودار فناء لمن اتخذها غاية وجمع منها بلا هدف، ودار عافية لمن استغنى عنها بقلبه ولم يتعلق بها. يُعلي من شأنها بأن يجعلها موطنًا للعبادة (مسجد أبينا آدم) ومهبطًا للوحي، ومكانًا يتاجر فيه أولياء الله بالأعمال الصالحة.

يختتم المقولة بدعوة حكيمة لاستغلال هذه الدار الفانية كوسيلة لاكتساب رحمة الله وادخار الأعمال الصالحة التي تُفضي إلى الجنة، مُحولًا بذلك نظرة اليأس الأولى إلى أمل وعمل.