حكمة
نص موثق
«

قال السماء كئيبة ! وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما !
قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتــسم
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما !!
قال: التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جــهنما
خانت عــــهودي بعدما ملكـتها
قلبي , فكيف أطيق أن أتبســما !
قلـــت: ابتسم و اطرب فلو قارنتها
لقضيت عــــمرك كــله متألما
قال: الــتجارة في صراع هائل
مثل المسافر كاد يقتله الـــظما
أو غادة مسلولة محــتاجة
لدم ، و تنفثـ كلما لهثت دما !
قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها
وشفائها, فإذا ابتسمت فربما
أيكون غيرك مجرما. و تبيت في
وجل كأنك أنت صرت المجرما ؟
قال: العدى حولي علت صيحاتهم
أَأُسر و الأعداء حولي في الحمى ؟
قلت: ابتسم, لم يطلبوك بذمهم
لو لم تكن منهم أجل و أعظما !
قال: المواسم قد بدت أعلامها
و تعرضت لي في الملابس و الدمى
و علي للأحباب فرض لازم
لكن كفي ليس تملك درهما
قلت: ابتسم, يكفيك أنك لم تزل
حيا, و لست من الأحبة معدما!
قال: الليالي جرعتني علقما
قلت: ابتسم و لئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مرنما
طرح الكآبة جانبا و ترنما
أتُراك تغنم بالتبرم درهما
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما ؟
يا صاح, لا خطر على شفتيك أن
تتثلما, و الوجه أن يتحطما
فاضحك فإن الشهب تضحك و الدجى
متلاطم, و لذا نحب الأنجما !
قال: البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتي إلى الدنيا و يذهب مرغما
قلت ابتسم مادام بينك و الردى
شبر, فإنك بعد لن تتبسما

»
إيليا أبو ماضي العصر الحديث

جوهر المقولة

هذه القصيدة الرائعة، "ابتسم"، لإيليا أبو ماضي، هي حوار فلسفي عميق بين متشائم يرى الحياة من زاوية مظلمة، ومتفائل يدعوه إلى البشاشة والإيجابية. يطرح المتشائم سلسلة من الشكاوى التي تتراوح بين كآبة الطبيعة، وفوات الشباب، وخيانة المحبوبة، وصعوبات التجارة، وكيد الأعداء، وضيق الحال المادي، ومرارة الأيام.

وفي كل مرة، يرد المتفائل بنصيحة واحدة: "ابتسم". إنه لا ينكر وجود المصاعب والآلام، بل يقر بها، لكنه يدعو إلى تجاوزها بقوة الإرادة والتفاؤل. يرى أن الأسف على الماضي لا يعيده، وأن الغضب من الخيانة لا يغير الواقع، وأن الهموم المادية لا تُحل بالعبوس، بل قد تزيدها تعقيدًا.

تكمن الفلسفة الجوهرية للقصيدة في أن السعادة ليست نتيجة لغياب المشاكل، بل هي خيار داخلي وموقف من الحياة. يشدد الشاعر على أن البشاشة قوة دافعة، وأنها قد تلهم الآخرين وتخفف عنهم، وأنها لا تكلف شيئًا بل تجلب المغنم. يختتم الشاعر دعوته بتذكير بأن الحياة قصيرة، وأن الموت قادم لا محالة، فلماذا لا نستغل ما تبقى لنا منها بالابتسامة والفرح، بدلًا من الغرق في اليأس والتشاؤم؟ إنها دعوة للعيش بوعي وإيجابية، مهما كانت الظروف، لأن الابتسامة هي تعبير عن قوة الروح ومرونتها في مواجهة تحديات الوجود.