حكمة
نص موثق
«

سيدتي،
لقد تعددت مقابرنا في الغربة،
والسلطة – بفضل الله علينا – ما زالت باقية،
أما الحزن فجميل.

»
مظفر النواب العصر الحديث

جوهر المقولة

تحمل هذه الأبيات لمظفر النواب، الشاعر العراقي الذي عانى مرارة المنفى، شحنة مكثفة من الألم، السخرية السوداء، والجمالية الفريدة للحزن، مقدمةً رؤية وجودية عميقة.

عبارة "صار لنا أكثر من مقبرة في الغربة" ليست مجرد إشارة إلى الموت الجسدي، بل هي تعبير عن تراكم الخسائر الوجودية والنفسية في حياة المنفى. كل مكان غريب يصبح مقبرة لذكريات، لأحلام، لأجزاء من الذات تلاشت، ولأحبة فُقدوا. إنها صورة مكثفة للتشرد الروحي والجسدي الذي يفرضه المنفى.

أما "والسُلطة -من أفضال الله علينا- باقية"، فتكمن فيها سخرية مريرة ولاذعة. إنها تهكم على الخطاب الديني الذي تستخدمه السلطات المستبدة لتبرير بقائها وقمعها. فالسلطة التي تسببت في هذا الشقاء والمنفى، والتي تدعي أنها تحكم بفضل إلهي، لا تزال قائمة، مما يبرز التناقض الصارخ بين ادعاءاتها ونتائج أفعالها المدمرة.

وتصل الأبيات ذروتها في "والحزن جميل". هذا التعبير يمثل مفارقة فلسفية عميقة. فكيف يكون الحزن جميلاً؟ إنه جمال من نوع خاص؛ جمال الألم الذي يصقل الروح ويمنحها عمقًا، جمال الصمود في وجه القهر، وجمال القدرة على التعبير عن الوجع بصدق وعمق فني. الحزن هنا ليس ضعفًا، بل هو قوة مقاومة، ونافذة على فهم أعمق للوجود البشري ومعاناته. إنه جمال الكبرياء في مواجهة الهزيمة، وجمال الوعي بالواقع المرير، وجمال تحويل الألم إلى فن خالد.