حكمة
نص موثق
«

ربِّ اجذبني إليك بحبلك الممدود، لأخرج من ظلمتي إلى نورك، ومن عدميتي إلى وجودك، ومن هواني إلى عزتك. فأنت العزيز حقًا الذي لن تضرك ذنوبي ولن تنفعك حسناتي. إن كل ذنوبنا يا رب لن تنقص من ملكك، وكل حسناتنا لن تزيد من سلطانك. فأنت المتعالِ على كل ما خلقت، المستغني عن كل ما صنعت. وأنت القائل: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي. وأنت القائل على لسان نبيك: (ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)، فها أنا أدعوك فلا أكف عن الدعاء. فأنا المحتاج، أنا المشكلة، وأنا المسألة، أنا العدم وأنت الوجود فلا تضيعني. عاوني يا رب على أن أتخطى نفسي إلى نفسي؛ أتخطى نفسي الأمارة الطامعة في حيازة الدنيا إلى نفسي الطامعة فيك، في جوارك ورحمتك ونورك ووجهك.

»

جوهر المقولة

هذه المقولة هي مناجاة روحية عميقة، تعكس جوهر الفلسفة الصوفية والتوحيدية لمصطفى محمود. تبدأ بطلب الاستجذاب الإلهي: "ربِّ اجذبني إليك بحبلك الممدود، لأخرج من ظلمتي إلى نورك، ومن عدميتي إلى وجودك، ومن هواني إلى عزتك." هذا الافتتاح يمثل اعترافاً بالضعف البشري والافتقار المطلق إلى القوة الإلهية. "الحبل الممدود" هو استعارة للوصل الإلهي، سواء كان الوحي أو الهداية أو الرحمة. الانتقال من "الظلمة إلى النور" يرمز إلى التحول من الجهل والضلال إلى المعرفة والهداية، ومن "العدمية إلى الوجود" يشير إلى إيجاد المعنى والغاية في الحياة بعد فراغ الروح، ومن "الهوان إلى العزة" يعبر عن السعي نحو الكرامة والرفعة التي لا تتحقق إلا بالاتصال بالله.

ثم ينتقل إلى تأكيد صفات الله المطلقة: "فأنت العزيز حقًا الذي لن تضرك ذنوبي ولن تنفعك حسناتي... فأنت المتعالِ على كل ما خلقت، المستغني عن كل ما صنعت." هذا الجزء يرسخ مفهوم التوحيد الخالص، وأن الله غني عن العالمين، لا يزيده طاعة الطائعين ولا ينقصه معصية العاصين. هذا الفهم يدفع الإنسان إلى العبادة الخالصة لوجه الله، لا طمعاً في جنة أو خوفاً من نار فحسب، بل حباً وتعظيماً لذاته سبحانه.

ويستشهد بحديث قدسي: "هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي"، وبآية قرآنية (أو حديث نبوي): "(ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)". هذا الاستشهاد يعمق فكرة الاستغناء الإلهي، وفي نفس الوقت يبرز أهمية الدعاء كصلة وحيدة بين العبد وربه، وكقيمة عليا يوليها الله اهتماماً. الدعاء هنا ليس مجرد وسيلة لتحقيق رغبات، بل هو جوهر العلاقة، هو اعتراف بالوجود الإلهي والافتقار إليه.

يختتم المناجاة بتأكيد حالته الإنسانية: "فأنا المحتاج، أنا المشكلة، وأنا المسألة، أنا العدم وأنت الوجود فلا تضيعني." هذه الجمل تعبر عن حالة الفناء البشري أمام بقاء الله، وعن جوهر الوجود الإنساني ككيان مفتقر، مليء بالتساؤلات والتحديات. ثم يدعو الله أن يعينه على "تخطي النفس إلى النفس"، وهو تعبير صوفي عميق يعني تجاوز النفس الأمارة بالسوء، المائلة إلى الدنيا وشهواتها، نحو النفس المطمئنة التي تسعى إلى القرب الإلهي، وإلى "جوارك ورحمتك ونورك ووجهك". هذا هو الهدف الأسمى للسالك في طريق الله، وهو الفوز بالرضا الإلهي والاتصال الروحي الأعمق.