جوهر المقولة
تُقدم هذه المقولة رؤية عميقة للشعر لا بوصفه مجرد فن لغوي، بل كفضاء وجودي يتشكل في الفجوات والمسافات بين طبقات الوعي البشري المختلفة. يشير أوكتافيو باث إلى أن الشعر ليس مجرد تعبير مباشر عما يُرى أو يُقال، بل هو ذلك الجوهر الغامض الذي يتولد في التخوم بين الإدراك الحسي (ما أرى)، والتعبير اللفظي (ما أنطق به)، والصمت الداخلي (ما أُضمره صامتًا)، وعالم اللاوعي والأحلام (ما أحلم به)، وحتى ما يتلاشى من الذاكرة (ما يغيب عن ذاكرتي).
الشعر، في هذا السياق، هو محاولة لالتقاط ما هو عابر، ما هو غير قابل للتحديد، ما هو موجود في الفراغات بين هذه الحالات المتناقضة والمتداخلة. إنه يمثل الجسر الذي يربط بين الواقع الظاهر والعوالم الخفية للذات، بين المعلوم والمجهول، بين الوعي واللاوعي. إنه يولد من التوتر والصدى بين هذه العوالم، محاولًا إعطاء شكل ومعنى لتلك التجارب الدقيقة والهشة التي غالبًا ما تفلت من قبضة اللغة العادية أو الإدراك الواعي.