حكمة القرآن كتاب الله المعجز، حقٌ كله، وفريدٌ في تجربته. وأنت تقرأ فيه، لا تجد حدوداً للجمال أو الاتساق أو السكون، حتى لتقف في منتصف الجملة خائفاً، إلى أن يستقر بك المعنى في آخرها، فإذا أنت في نور عميم. إن فيه سر اتصال الآيات وتلاحمها، وسحر الموسيقى، وقداسة المبنى، ونور الحرف المدغم والمنطوق، يقترب ويبتعد كأنه وجه الحبيب. كلماته عندي مردة وملائكة وشياطين، وصوره أساطير وآلهة، ودنيا تموج بالخير والشر. وما أعذب العناء في تتبعها! فلغته تبعث في الروح الفخار، وتُسكِّن الجراح، وتُقوِّم تعاريج الوجود.
فلسفة اللغة الكلماتُ هي الكلماتُ؛ تصنعُ الغدرَ والخيانةَ، والوشايةَ والتضليلَ، وخداعَ النفسِ. وهي الحبُّ والنبالةُ. وعليكَ أن تعرفَ الكلماتِ وتُعاشرَها وتراها من كلِّ الأوجهِ، ولن تُعطيكَ أبدًا سرَّها. ستظلُّ ساحرةً، لغزًا مُبهمًا. الكلماتُ حظِّي من الحياةِ، وثروتي وميراثي، وشوقي وإحباطي وآمالي.
فلسفة سياسية إن تعبيرات مثل (إهانة رموز الدولة)، و(تكدير السلم الاجتماعي)، و(الحض على ازدراء النظام)، و(إثارة البلبلة)، إلى آخر هذه التهم السخيفة، هي من مخترعات الأنظمة الاستبدادية للتخلص من المعارضين وتكميم الأفواه، حتى يفعل الحاكم المستبد ما يريده في الوطن والناس فلا يجرؤ أحد على مساءلته.
فلسفة اللغة لا أستسيغ الكلمات، لا أثق بها، فالكلمات حين أنطقها لا تحمل المعنى ذاته الذي يكمن في داخلي.
فلسفة الفن ويموت الشعراء! يذهبون تباعاً، الواحد تلو الآخر، دون أن يُفصحوا لنا عن كُنه الشعر، ودون أن يُخرجوا من صدورهم تلك الورقة الأخيرة التي أودعوا فيها السر، وكيف كانوا يصوغون الكلام، وما هو ذاك الإشعاع الحار الذي يكسو الكلمات لوناً ويضيئها كما تفعل الكهرباء!
فلسفة اللغة أتَعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار في كلمة. وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة، لو تعرف حرمتها، زادٌ مذخور. الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور.