شعر صوفي
نص موثق
«

المساورة أمام الباب الثاني

في طريق الليل

ضاع الحادث الثاني وضاعت زهرة الصبار

لا تسل عني لماذا جنتي في النار

جنتي في النار

فالهوى أسرار

والذي بغضي على جمر الغضا أسرار

يا الذي تطفي الهوى بالصبر لا بالله

كيف النار تطفي النار؟

يا غريب الدار

إنها أقدار

كل ما في الكون مقدار وأيام له

إلا الهوى

ما يومه يوم… ولا مقداره مقدار

لم نجد فيما قطار العمر

يدنو من بقايا الدرب من ضوء على شيء

وقد ضج الأسى أسراب

والهوى أسراب

كنت تدعونا وأسرعنا

وجدنا هذه الدنيا محطات بلا ركاب

ثم سافرنا على أيامنا أغراب

لم يودعنا بها إلا الصدى

أو نخلة تبكي على الأحباب

يا غريبا يطرق الأبواب

والهوى أبواب

نحن من باب الشجى

ذي الزخرف الرمزي والألغاز والمغزى

وما غنى على أزمانه زرياب

كلنا قد تاب يوما

ثم ألفى نفسه

قد تاب عما تاب

كل ما في الكون أصحاب وأيام له إلا الهوى

ما يومه يوم….

ولا أصحابه أصحاب

نخلة في الزاب

كان يأتي العمر يقضي صبوة فيها

ويصغي للأقاصيص التي من آخر الدنيا

هنا يفضي بها الأعراب

هب عصف الريح واه يوماه يوم

وانتهى كل الذي قد كان من دنيا

ومن عمر ومن أحباب

هاهنا ينهال في صمت رماد الموت

يخفي ملعب الأتراب

كم طرقنا بابك السري في وجد وخوف

لم تجبنا

وابتعدنا فرسخا هجرا

فألفيناك سكران جوابا

فلم نغفر ولم تغفر كلانا مدع كذاب

كل غي تاب

إنما غي وغي فيك قد غابا

وراء النرجس المكتوب للغياب

قد شغلنا ليلة بالكأس

والأخرى بأخت الكأس

والكاسات إن صح الذي يسقيك إياها

لها أنساب

يا غريبا بابه غرب الحمى

مفتوح للربح والأشباح والأعشاب

قم بنا نفخ الخزامى طاب

ننتمي للسر

لا تسل لماذا ألف مفتاح لهذي الباب

لا تسل

من عادة أن تكثر الأقوال

في من ذاق خمر الخمر في المحراب

لم يقع في الشك

إلا إنه من لسعة الأوساخ

تنمو خمر الأعناب

لم يقل فيها جناسا أو طباقا إنما إطلاق

نبه العشاق

مدفن أودى بلا هجر ولا وصل بباب الطاقة

مرهق من خرقة الدنيا على أكتافه

لم تستر الأشجان والأشواق والإشراق

لم يكن أغفى

وحبات الندى سالت على إغفائه شوطا

ودب الفجر في أوصاله رقراق

آه مما فزمن إغفاءة لم تلمس الأحداق

أي طير لا يرى إلا بما يجاب عن ترديده البني

سعف النخل والأعذاق

موغل في السر مندس بنار الماء في الأعماق

يا طائر يحكي لماء أزرق بالوجد في الأعماق

ما أبعد الأعماق

ما أبعد الأعماق

لم يطق يوما ولم يأبه بمن قد فاق

مشفق مشتاق

كله إطراق

أثملت الخمر صحوا

فانبرى يبكي

وأطفال الزمان الغر ضجوا

حوله سخرية في عالم الأسواق

قل لأهل الحي

هل في الدور من عشق لهذا المبتلى ترياق

بأمة في العشق تكفي

نقطة تكفي

فلا تكثر عليك الحبر والأوراق

كل من في الكون تنقيط له إلا الهوى

فاحذر بالتنقيط (نهوي)

واسأل العشاق

هناك كأس لم يذقها شارب في هذه الدنيا

موشاة بحبات الندى سلطانها سلطان

إنها جسر الدجى للمعبر السري فلتعبر

ولا تنصت لمن أعيادها الإدراك والإدمان

لم يكن إيوان كسرى مثلما إيوانها إيوان

إن كأس الله هذي مسكها ربان

هذا درب وقد يفضي إلى بوابة البستان

إنما انفض الندامى والمغتني

فاتئد في وحشتي

يا آخر الخلان.

»

جوهر المقولة

هذه القصيدة عميقة ومعقدة، غنية بالدلالات الصوفية الروحانية، واليأس الوجودي، واستكشاف عميق لمفاهيم الهوى (الحب العاصف) والأقدار. إنها تتعمق في ثيمات البراءة الضائعة ('ضاع الحادث الثاني وضاعت زهرة الصبار')، والطبيعة المتناقضة للمعاناة والنعيم ('جنتي في النار')، والقوة التي لا تُقاس ولا تُحد للهوى الذي يتحدى المنطق والمقدار ('إلا الهوى / ما يومه يوم... ولا مقداره مقدار').

تُصوّر القصيدة الحياة كسلسلة من المحطات الموحشة ('محطات بلا ركاب') والوجود البشري كرحلة اغتراب ('سافرنا على أيامنا أغراب'). تتصارع مع التوبة والانتكاس ('كلنا قد تاب يوما / ثم ألفى نفسه / قد تاب عما تاب')، والطبيعة المراوغة للحقيقة والاتصال الإلهي، الذي غالباً ما يُبحث عنه بوسائل غير تقليدية (الخمر، الأسرار). تُشير صورة 'كأس الله' إلى سُكْر روحي يتجاوز الفهم الدنيوي ويُقدم مساراً سرياً. وفي جوهرها، هي رثاء للأحباب المفقودين، وبحث عن معنى في عالم زائل، وتوق إلى عزاء روحي عميق، ربما لا يمكن بلوغه.