نقد اجتماعي
نص موثق
«

القاضي: كفاكَ تظلمًا وارتباكًا ودموعًا، واقسم أن تقول الحق، ولا شيء غير الحق. المتهم: أقسم. القاضي: ضع يدك على الكتاب المقدس، وليس على دليل الهاتف. المتهم: أمرك سيدي. القاضي: هل كنت بتاريخ كذا، ويوم كذا، تنادي في الساحات العامة والشوارع المزدحمة بأن الوطن يساوي حذاء؟ المتهم: نعم. القاضي: وأمام طوابير العمال والفلاحين؟ المتهم: نعم. القاضي: وأمام تماثيل الأبطال، وفي مقابر الشهداء؟ المتهم: نعم. القاضي: وأمام مراكز التطوع والمحاربين القدماء؟ المتهم: نعم. القاضي: وأمام أفواج السياح والمتنزهين؟ المتهم: نعم. القاضي: وأمام دور الصحف ووكالات الأنباء؟ المتهم: نعم. القاضي: الوطن… حلم الطفولة، وذكريات الشيخوخة، وهاجس الشباب، ومقبرة الغزاة والطامعين، والمفتدى بكل غالٍ ورخيص، لا يساوي بنظرك أكثر من حذاء؟ لماذا؟ لماذا؟ المتهم: لقد كنت حافيًا يا سيدي.

»

جوهر المقولة

هذا النص الساخر العميق لمحمد الماغوط يمثل نقدًا لاذعًا للخطاب الوطني الرنان الذي غالبًا ما يتجاهل الواقع المعيشي المرير للمواطن البسيط. يبدأ القاضي باستعراض قدسية الوطن ومعانيه السامية التي تتجاوز الزمان والمكان، مستخدمًا لغة شعرية عاطفية تصف الوطن بأنه "حلم الطفولة، وذكريات الشيخوخة، وهاجس الشباب، ومقبرة الغزاة والطامعين، والمفتدى بكل غالٍ ورخيص". هذا الخطاب يمثل الرؤية المثالية للوطن التي تُلقن للأفراد عبر التعليم والإعلام.

يأتي رد المتهم بكلمة واحدة "لقد كنت حافيًا يا سيدي" ليصدم هذه الرؤية المثالية بواقع قاسٍ ومؤلم. هذه الجملة المختصرة تحمل في طياتها فلسفة كاملة عن أولويات الإنسان الأساسية. إنها تعكس أن قيمة الوطن، مهما عظمت في الخطاب النظري، تتضاءل أمام الحاجات الإنسانية البدائية كالحاجة إلى المأوى والطعام والكساء، أو في هذه الحالة، الحذاء الذي يحمي القدم من قسوة الأرض.

فلسفيًا، يطرح الماغوط سؤالًا وجوديًا حول معنى الوطنية في ظل الفقر والحرمان. هل يمكن للإنسان أن يشعر بالانتماء الحقيقي لوطن لا يوفر له أبسط مقومات العيش الكريم؟ إنها دعوة لإعادة تعريف الوطنية من مجرد شعارات ومثاليات إلى واقع ملموس يلبي احتياجات الأفراد. كما أنها نقد مبطن للسلطات التي تتغنى بالوطن بينما تهمل شعبه، وتعد هذه المقولة صرخة في وجه التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.