حكمة
نص موثق
«

أودك وداً ليس فيه غضاضة، وبعض مودات الرجال سراب. وأمحضك النصح الصريح، وفي الحشا لودك نقشٌ ظاهر وكتاب. فلو كان في روحي سواك اقتلعته، ومزقت بالكفين عنه إهاب. ومالي غير الود منك إرادة، ولا في سواه لي إليك خطاب. إذا حزته فالأرض جمعاء والورى هباء، وسكان البلاد ذباب.

»
ابن حزم الأندلسي العصر الأندلسي

جوهر المقولة

تعبر هذه الأبيات الشعرية لابن حزم الأندلسي عن عمق الحب والولاء والإخلاص الشديد الذي يكنه الشاعر لمن يحب، وتصور حالة من التفاني المطلق في العشق.

يبدأ الشاعر بالتأكيد على نقاء وده وصدقه، فهو حب خالص لا يشوبه نقص أو عيب ('ليس فيه غضاضة')، ويقارنه بمودات أخرى يصفها بالزيف والوهم ('سراب'). ثم ينتقل إلى تقديم النصح الصريح، مؤكداً أن هذا الود محفور في أعماق قلبه وكيانه ('نقش ظاهر وكتاب')، مما يدل على رسوخه وثباته.

يصل التعبير عن الإخلاص إلى ذروته عندما يقول إنه لو كان في روحه شيء غير المحبوب لانتزعه ومزقه، في كناية عن التفرغ التام لهذا الحب واستبعاده لأي شيء آخر قد يشاركه الروح. يؤكد أن غايته الوحيدة ومبتغاه من المحبوب هو الود نفسه، لا يطلب شيئاً سواه، مما يبرز سمو هذا الحب وتجرده من المصالح.

يختتم الشاعر بتصوير مبالغ فيه لكنه يعكس مدى هذا الحب، فإذا نال هذا الود، فإن كل ما في الدنيا من أرض وبشر يصبح لا قيمة له، مجرد 'هباء' و'ذباب' مقارنة بعظمة هذا الود الذي يمثل جوهر وجوده. فلسفياً، هذه الأبيات تتناول مفهوم الحب الأسمى الذي يتجاوز الماديات والرغبات الدنيوية، ويصبح هو الغاية والوجود بحد ذاته، حب يبلغ حد الفناء في المحبوب، حيث لا يرى المحب قيمة لشيء آخر سواه.