جوهر المقولة
يُقدم سهل التستري، وهو من كبار المتصوفة، تأويلاً باطنيًا عميقًا لآية الجهاد، محوِّلاً إياها من جهاد خارجي ضد الأعداء الظاهرين إلى جهاد داخلي ضد النفس الأمارة بالسوء. هذا التأويل يمثل جوهر الفلسفة الصوفية التي ترى أن أكبر معركة يخوضها الإنسان هي معركته مع ذاته، للسيطرة على شهواتها وأهوائها.
فلسفيًا، 'سيف المخالفة' يرمز إلى الإرادة القوية والعزيمة على مخالفة هوى النفس وشهواتها، و'حمولات الندم' تعبر عن ثقل الشعور بالذنب والأسف على ما فات من تقصير، وهو شرط أساسي لصحوة الضمير. أما 'مفاوز الخوف' فتشير إلى التجارب الصعبة والمواقف التي يمر بها الإنسان، والتي تولد لديه الخوف من عواقب أفعاله، مما يدفعه إلى التوبة والرجوع إلى الله.
يؤكد التستري أن التوبة الصادقة لا تنبع إلا من حالة من الاضطراب الوجودي والذهول العميق إزاء الذنوب. فالمتحير في أمره والمبهوت في شأنه والواله القلب هو من أدرك حجم خطيئته وعظمها، وشعر بضيق الكون عليه، كما تشير الآية الكريمة {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت}. هذا الضيق ليس ماديًا، بل هو ضيق روحي ونفسي يدفع الإنسان دفعًا نحو طلب المغفرة والعودة إلى الفطرة السليمة.