حكمة
نص موثق
«

هنا مكمنُ الحكايةِ! أنَّ المربي لم يُربَّ على خُلُقٍ سوى الجهلِ وبعضٍ من تقاليدِ البداوةِ. هنا مكمنُ الحكايةِ! أنَّ المحاسبَ لا يُحاسَبُ، أوعندَ اللهِ فقط يلقى حسابَهُ؟ هنا مكمنُ الحكايةِ! أنَّ المعلمَ لم يُعلَّمْ، أرأيتَ السماءَ يومًا تُمطرُ بلا غمامٍ؟ يصيحُ الطفلُ في وطني: “أين العدالةُ؟ أين العدالةُ؟” أيُعقلُ أن يجدها قبلَ أن يأتيَ يومُ القيامةِ؟ أم أن يموتَ ولم يجدها، وبعدَ الموتِ يلقاها هنا في هذه الدنيا وقد كانت تخشى الإبانةَ؟ يصيحُ الطفلُ في وطني: “أين الكرامةُ؟ أين الكرامةُ؟” أيُعقلُ أن يراها اليومَ في سروالِ أبيهِ وقد كانت مخبأةً تحتَ العباءةِ؟ أكان أبوه شيخًا ولم يخلعْ عباءتَهُ يومًا أمامهُ؟ أم كان يخجلُ أن يخلعها حتى لا يَبينَ عارُهُ؟ خذ يا إلهي ما تبَقَّى مني! فلم يبقَ لديَّ هنا في دنياكَ ما أخشى ضياعَهُ! فهذه أصلُ الحكايةِ، هذه أصلُ الحكايةِ.

»

جوهر المقولة

تُعبِّرُ هذه المقطوعةُ عن مرارةٍ وألمٍ عميقينِ إزاءَ واقعٍ اجتماعيٍّ مُتردٍّ، حيثُ يُشيرُ الشاعرُ إلى جذورِ المشكلاتِ المتأصلةِ في المجتمعِ. يبدأُ بالتربيةِ الخاطئةِ التي تُنتجُ أجيالًا جاهلةً متمسكةً بتقليدٍ لا يُفيدُ، مُلقيًا الضوءَ على فشلِ المنظومةِ التربويةِ في غرسِ القيمِ الساميةِ.

ثم ينتقلُ إلى غيابِ المساءلةِ والعدالةِ، حيثُ يرى أنَّ من بيدهِ السلطةُ أو المالُ لا يُحاسَبُ في الدنيا، مُتسائلًا عن مصيرِ العدالةِ الإلهيةِ في ظلِّ هذا الفسادِ المستشري. ويُبرزُ التناقضَ الصارخَ في دورِ المعلمِ الذي يُفترضُ أن يُضيءَ الدروبَ، لكنه هو نفسُهُ لم يتلقَّ تعليمًا سليمًا، مُشبهًا ذلك بالسماءِ التي لا تُمطرُ بلا غمامٍ، في إشارةٍ إلى استحالةِ العطاءِ بدونِ أساسٍ متينٍ.

تتجسدُ ذروةُ الألمِ في صرخاتِ الطفلِ الذي يبحثُ عن العدالةِ والكرامةِ في وطنٍ يُعاني من غيابِهما. يُشككُ الشاعرُ في إمكانيةِ تحقيقِ هذه القيمِ في الحياةِ الدنيا، مُلمّحًا إلى أنها إما مُخبأةٌ أو مؤجلةٌ إلى الآخرةِ. وينتقدُ النفاقَ الاجتماعيَّ، حيثُ تُخفى الكرامةُ تحتَ ستارِ المظاهرِ الكاذبةِ، مُتسائلًا عن حقيقةِ الشيوخِ الذين يُخفون عارَهُم خلفَ عباءاتِ التديُّنِ الزائفِ.

يختتمُ الشاعرُ قصيدتَهُ بصرخةِ يأسٍ واستسلامٍ للهِ، مُعلنًا تخليهِ عن كلِّ ما في الدنيا، لأنه لم يَعُد يخشى فقدانَ شيءٍ بعد أن فقدَ الأملَ في إصلاحِ الواقعِ. إنها صورةٌ قاتمةٌ لواقعٍ مُحبطٍ، ونقدٌ لاذعٌ للفسادِ والنفاقِ وغيابِ القيمِ.