حكمة
نص موثق
«

ليس عندي ما أقوله. فقط أريد أن أتكلم، أن أصنع جسرًا من الأصوات يوصلني بنفسي؛ ضفتان متباعدتان أحاول وصلهما بصوت. الكلمات أصوات، أصوات لا غير. هكذا هي الآن، وهكذا كانت دائمًا. أصوات لا نوجهها إلى أحد. نحن لا نكلم الآخرين، نكلم فقط أنفسنا.

»
وديع سعادة العصر الحديث

جوهر المقولة

هذه المقولة تتغلغل في أعماق الوعي البشري وتكشف عن طبيعة اللغة والتواصل من منظور وجودي وفلسفي. تبدأ بتناقض ظاهري: "ليس عندي ما أقوله" ثم "فقط أريد أن أتكلم". هذا يشير إلى أن الرغبة في التعبير قد لا تكون بالضرورة مدفوعة برسالة محددة أو معلومة يراد إيصالها للآخر، بل هي حاجة جوهرية للذات.

الفكرة المحورية هي أن الكلام ليس بالضرورة وسيلة للتواصل الخارجي مع الآخرين، بل هو جسر داخلي يصل الإنسان بذاته. "ضفتان متباعدتان أحاول وصلهما بصوت" تصور الذات البشرية ككيان مجزأ أو منقسم، وأن عملية الكلام، حتى لو بدت بلا معنى خارجي، هي محاولة لجمع شتات الذات، لتوحيد أجزائها المتباعدة من خلال الفعل الصوتي. الكلمات هنا ليست حاملة لمعانٍ بالضرورة، بل هي "أصوات لا غير"، مجرد ترددات صوتية تسهم في بناء هذا الجسر الذاتي.

الختام "نحن لا نكلم الآخرين. نكلم فقط أنفسنا" هو تأكيد جذري على هذه الرؤية الانطوائية للغة. إنه يقلب المفهوم التقليدي للتواصل رأسًا على عقب، ليجعل من الحديث فعلًا ذاتيًا خالصًا، محاولة مستمرة لفهم الذات، أو ربما مجرد إثبات للوجود الداخلي عبر إطلاق الأصوات. هذا المنظور يفتح الباب للتفكير في عزلة الإنسان الجوهرية، وكيف أن حتى أكثر أفعاله اجتماعية (الكلام) قد يكون في عمقه فعلًا فرديًا بحتًا.