حكمة
نص موثق
«

هي: هل عرفتَ الحب يوماً؟
هو: كلما حلَّ الشتاء، اعتراني شغفٌ لشيءٍ غائب، فأُلبِسُهُ اسماً، أيَّ اسمٍ كان، ثم أنسى.
هي: وما الذي تنساه؟ أخبرني!
هو: رعشة الحمى، وهذياني تحت الشراشف حين أشهق: دثّريني! دثّريني!
هي: ليس هذا حباً ما تقول.
هو: ليس حباً ما أقول.
هي: هل شعرتَ برغبةٍ في أن تعيش الموت في حضن امرأة؟
هو: كلما اكتمل الغيابُ، حضرتُ وانكسر البعيد، فتعانق الموتُ الحياةَ وعانَقَتهُ كعاشقين.
هي: ثم ماذا؟
هو: ثم ماذا؟
هي: واتحدتَ بها، فلم تميز يداها من يديك، وأنتما تتبخران كغيمةٍ زرقاءَ لا تتبينان أأنتما جسدان أم طيفان أم؟
هو: من هي الأنثى؟ مجازُ الأرض فينا؟ ومن هو الذكر؟ مجازُ السماء؟
هي: هكذا ابتدأت أغاني الحبّ، أنت إذن عرفتَ الحب يوماً!
هو: كلما اكتمل الحضورُ ودُجِّن المجهول، غبتُ.
هي: إنه فصل الشتاء، وربما أصبحتُ ماضيكَ المفضل في الشتاء.
هو: ربما، فإلى اللقاء.
هي: ربما، فإلى اللقاء.

»
محمود درويش العصر الحديث

جوهر المقولة

يدور هذا الحوار الفلسفي العميق بين امرأة ورجل حول ماهية الحب وتجلياته المعقدة. يرى الشاعر الحب كشغف غامض يتجلى مع حلول الشتاء، يرتبط بالغياب والوهم، لا بالوجود الملموس. هو حالة من الهذيان والحمى، رغبة في الاحتواء لا في التملك، حيث يتلاشى الوعي بالذات في طلب الدفء والحماية.

تصرّ المرأة على أن هذا ليس حباً بالمعنى التقليدي، وتستفزه بسؤال عن رغبة عيش الموت في حضن امرأة، وهو ما يفسره الشاعر بالاتحاد الكوني عند اكتمال الغياب، حيث يتعانق الموت والحياة في لحظة تجاوز للحدود الفاصلة، كعاشقين يتحدان في الفناء.

يصل الحوار إلى ذروته في وصف الاتحاد الروحي والجسدي الذي يتجاوز المادة، حيث يتلاشى الجسدان كغيمة زرقاء، وتختفي الفروقات بينهما. هنا يطرح الشاعر تساؤلاً فلسفياً عن ماهية الأنثى والذكر كمجاز للأرض والسماء، محاولاً إضفاء بعد كوني ميتافيزيقي على العلاقة الإنسانية، متسائلاً عن حقيقة الوجود في لحظات الذوبان هذه.

لكن الشاعر يختتم برفضه للاستقرار أو "تدجين المجهول"، فهو يغيب كلما اكتمل الحضور، مما يشير إلى أن الحب بالنسبة له هو حالة من البحث الدائم، الشوق للغائب، والهروب من الثبات. هو يفضل الشتاء كفصل للماضي المفضل الذي لا يعود، مؤكداً على طبيعة الحب العابرة والمراوغة في تجربته الشخصية.