الدين، الأخلاق، الأسرة
نص موثق
«

إن الله تعالى قسَّمَ الحقوقَ وجعلَها مراتبَ، وأعظمُ تلك الحقوقِ بعدَ حقِّ عبادةِ اللهِ تعالى وإفرادِهِ بالتوحيدِ، هو الحقُّ العظيمُ الذي ثنَّى به سبحانه، وما ذكرَ نبيًّا من الأنبياءِ إلا وذكرَ معه هذا الحقَّ الذي مَنْ أقامهُ كفَّرَ اللهُ به السيئاتِ ورفعَ الدرجاتِ، ألاَ وهو الإحسانُ للوالدينِ.

»
محمد العريفي العصر الحديث

جوهر المقولة

تُبرزُ هذه المقولةُ المنزلةَ الرفيعةَ لحقِّ الوالدينِ في الإسلامِ، مؤكدةً على أن الحقوقَ في الشريعةِ ليست متساويةً بل هي مراتبُ متفاوتةٌ في الأهميةِ والوجوبِ. تبدأ المقولةُ بتأصيلٍ شرعيٍّ، مُبيِّنةً أن اللهَ سبحانه وتعالى هو مَنْ وضعَ هذا التراتبَ، ما يدلُّ على حكمتِهِ البالغةِ في تنظيمِ شؤونِ العبادِ وعلاقاتِهم.

تُعلِي المقولةُ من شأنِ الإحسانِ للوالدينِ، واضعةً إياه في المرتبةِ الثانيةِ مباشرةً بعد حقِّ اللهِ تعالى في العبادةِ والتوحيدِ. هذا الترتيبُ ليس اعتباطيًّا، بل هو دلالةٌ على عظمِ هذا الحقِّ وقدسيتِهِ، فهو يُمثِّلُ ركيزةً أساسيةً في بناءِ المجتمعِ الصالحِ وتماسكِ الأسرِ. إنَّ الربطَ بين حقِّ اللهِ وحقِّ الوالدينِ يُشيرُ إلى أنَّ الإحسانَ إليهما ليس مجردَ واجبٍ اجتماعيٍّ، بل هو عبادةٌ وقُربةٌ إلى اللهِ.

وتُعزِّزُ المقولةُ هذه الأهميةَ بذكرِ أنَّ اللهَ تعالى قرنَ هذا الحقَّ بذكرِ الأنبياءِ في كتابهِ، مما يدلُّ على كونيَّتِهِ وشموليتِهِ عبرَ الرسالاتِ السماويةِ كافةً. هذا التكرارُ والاقترانُ يؤكِّدان على أنه مبدأٌ إلهيٌّ ثابتٌ لا يتغيَّرُ.

أما الجزاءُ المترتِّبُ على إقامةِ هذا الحقِّ، فهو عظيمٌ جدًّا؛ إذ يُكفِّرُ اللهُ به السيئاتِ ويرفعُ الدرجاتِ. هذا الوعدُ الإلهيُّ يُبيِّنُ أنَّ الإحسانَ للوالدينِ ليس فقط سببًا لنيلِ رضاهم، بل هو طريقٌ لمغفرةِ الذنوبِ والارتقاءِ في مراتبِ العبادةِ والقربِ من اللهِ، مما يُضفي عليه بعدًا روحيًّا عميقًا ويُحفِّزُ المؤمنينَ على التمسكِ به.