قبل أن يتشكل الكلام، كان الجسد هو السبيل، وقبل أن تكتمل الأفواه بالحروف، كان الإنسان قديمًا يخاطب الوجوه بكيانه الجسدي. يقال إن الإنسان في بعض مراحله التاريخية كان أبكم، لا يمتلك سوى أصواتٍ يحاكي بها الكائنات من حوله، ولم تكن لديه لغةٌ يعبر بها عن فرحه أو خوفه، أو حزنه أو حبه، سوى قاموسٍ واحد، هو قاموس جسده، الذي يفيض بالتعبير من رأسه إلى جبينه، ومن يديه إلى رجليه. وحين يدهم الجزع مجموعة من البشر، كانت تلتف على بعضها، وتعبر عما بداخلها بلغة جسدية مشتركة. وربما كانت هذه حكاية متكررة لأصل رقصات الشعوب التي لم تكن تكذب في وصف ذاتها. كان هذا قبل أن تتحول الأصوات إلى كلمات، وهذا أثرٌ قديم جدًا، حينما كان الإنسان لا يغش ولا يزوّر، حينما كان يتكلم بجسده فحسب، وحينما كانت الشعوب تعبر بأجسادها فقط.
ويموت الشعراء! يذهبون تباعاً، الواحد تلو الآخر، دون أن يُفصحوا لنا عن كُنه الشعر، ودون أن يُخرجوا من صدورهم تلك الورقة الأخيرة التي أودعوا فيها السر، وكيف كانوا يصوغون الكلام، وما هو ذاك الإشعاع الحار الذي يكسو الكلمات لوناً ويضيئها كما تفعل الكهرباء!
الصوص لا يرى البيضة التي يُخلق داخلها، وحتى يراها لا بد أن يثقبها أولاً بمنقاره! إذن، فلا يمكن لأحد أن يعي شيئاً وهو منغمس فيه تماماً. علينا أن نخرج من الأشياء تماماً حتى نستطيع استيعابها وفهمها حق الفهم.