قلتُ لها: إذا تآلفتِ مع نمرٍ واقتربتِ منه حتى لمستِه، ثم بدر منه ما جعله ينفر منكِ، فلا تقفي في طريقه كي لا يهلككِ. وكذلك، إن لامستِ قلبًا عصيًا ثم جفل عنكِ، فلا تقتربي منه كي لا يفتك بكِ.
كل ما أدركه عنكِ، أيتها الكائنة المجهولة، هو أنكِ فتاة، وأنكِ تقيمين هناك، وأنكِ تهوين أغنيةً أهواها.
المكان.. أتساءل: لِمَ يرى كلُّ من يكتب شيئًا عن حياته ضرورةً في وصف الأمكنة التي ترعرع فيها، وجال في أزقتها، وتمازجت أرواحهم بمائها وهوائها، وتداخلت طبيعتها معهم حتى تشكَّلت نفوسهم على هيئتها؟ إنهم يفعلون ذلك تجاه أمكنتهم؛ لأن الإنسان انعكاسٌ لها، يحمل تفاصيلها، ويتشكل على طريقتها.
الله وحده يعلم ما الذي بوسع الصوت أن يفعله بي، والله وحده يعلم عدد الأصوات الهائلة التي تكتنزها نفسي منذ أن وطئتُ هذه الحياة. تلك الأصوات التي لا نهاية لها، والتي أخالُ أن الكثير منها قد تسرب إلى أعماقي منذ كنتُ في بطن أمي وحتى هذه اللحظة…
أخبرتها أن الدرب إلى فؤادي، الذي عجنته خيبات الحياة ومراراتها، صعب ووعر؛ إذ لا يكاد شيء يمسه حتى ينظر إليه بريبة وتوجس، ثم يجفل عنه كنمر بري، ويقف بعيدًا خلف صخرة صمته، مكتفيًا بالتحديق ووحدة الطبع.
لم أغتسل قطّ، وحتى أصابعي لم أطهرها من أثر السمن والخبز وضحكات الجيران. لست بالغًا، فأنا طينٌ يتوق للأناشيد!