الفرح أصبح اليوم لحظةً لا إنسانيةً، تُستعرضُ فيها الثروة ويُتباهى بها، وتزدادُ حدةُ الصراع الطبقي. وقد كان من قبل لحظةً إنسانيةً تُسقطُ فيها الحدود الاجتماعية مؤقتًا، وتخفُّ فيها حدةُ الصراع الطبقي، ليعبِّرَ الجميع عن إنسانيتهم المشتركة.
لكنني أعرِّف العلمانية بأنها ليست مجرد فصلٍ للدين عن الدولة، بل هي فصلٌ لمجمل حياة الإنسان عن جميع القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، بحيث يتحول العالم إلى مادةٍ استعماليةٍ يوظفها القويُّ لمصلحته.
إنّ النهم المعرفي، حينما يستبدّ بالإنسان، يدفعه إلى قراءة كل شيء في سبيل الإحاطة بكل معلومة، فيؤول به المطاف، ويا للأسف، إلى عدم معرفة أي شيء على الإطلاق.
لقد كان صاحب المكتبة في الماضي رجلاً مثقفاً يرشدنا إلى اختيار الكتب المناسبة، على النقيض من بائعي الكتب في زماننا هذا، الذين يتسمون بالجهل المطبق، إذ ينتهي اهتمامهم بالكتاب عند سعره وغلافه فحسب.
يجب أن يدرك الناس أن الهوية ليست مجرد مجموعة من العادات والتقاليد أو الفولكلور، بل هي الرؤية الفلسفية العميقة التي يحملها الإنسان لوجوده. فالناس تستيقظ كل يوم لأداء عملها سعياً لتحقيق غاية ما، ولكن من دون وجود هدف سامٍ، يصبح الاستيقاظ مجرد عملية بيولوجية خالية من أي معنى. بينما أرى أنه في ظل وجود مشروع حضاري جامع، يصبح الاستيقاظ فعلاً إنسانياً واعياً يسهم في بناء الوطن وتقدمه.
لقد أخبرني ذات مرة أن النسيان، لا التذكر، هو الذي يصنع المثقف الحقيقي. وما كان يعنيه بذلك هو أن المثقف الأصيل لا يستحضر التفاصيل بمعزل عن إطار كلي ورؤية شاملة، وأن هذه الرؤية الكلية تستلزم بالضرورة استبعاد (أي نسيان) بعض التفاصيل الجزئية.
إن حلم الفصحى ليس حلم العودة إلى ماضٍ مضى، بل هو حلم الانطلاق نحو غدٍ مشرق يمسك فيه العرب بزمام أمرهم ويديرون شؤونهم. أما التحيز للعامية، فهو طريق الهزيمة المؤدية إلى التبعية وتذويب الهوية في سوق إقليمية.