إن مسؤولية تغيير العالم تتفكك إلى تمرد عليه، والتمرد يتحول إلى شعور بالغربة والاغتراب، والغربة تقود بدورها إلى رصد الملل ومتابعة التكرار.
لقد خلق الله الإنسانَ واختصه من بين سائر مخلوقاته بالعقل؛ ليتسنى له أن يكشف به من قوانين الطبيعة وأسرار الكون ما يُعينه، دهرًا بعد دهر وجيلًا بعد جيل، على الارتقاء في مدارج الكمال التي لا تبلغها غاية.
القرآن كتاب الله المعجز، حقٌ كله، وفريدٌ في تجربته. وأنت تقرأ فيه، لا تجد حدوداً للجمال أو الاتساق أو السكون، حتى لتقف في منتصف الجملة خائفاً، إلى أن يستقر بك المعنى في آخرها، فإذا أنت في نور عميم. إن فيه سر اتصال الآيات وتلاحمها، وسحر الموسيقى، وقداسة المبنى، ونور الحرف المدغم والمنطوق، يقترب ويبتعد كأنه وجه الحبيب. كلماته عندي مردة وملائكة وشياطين، وصوره أساطير وآلهة، ودنيا تموج بالخير والشر. وما أعذب العناء في تتبعها! فلغته تبعث في الروح الفخار، وتُسكِّن الجراح، وتُقوِّم تعاريج الوجود.
لم يَعُد أمامي سوى أن أقومَ أنا بالاكتشافِ الشخصيِّ لمعاني تلك الكلماتِ وغيرها؛ اكتشافٌ شخصيٌّ بمعنى أن أُدركَ المعنى في ذاتي وعلى أرضي، وأن أُكابدَ البحثَ، وأن أتخيّلَ الفهمَ يتلألأُ في أعماقي.
أنتَ الآنَ طائرٌ حبيسٌ في قفصِ المعرفةِ والفكرِ. الفلسفةُ هي التي ستجعلكَ تُحلِّقُ في سماءِ العالمِ. ليس مثلَ الفلسفةِ شيءٌ يجعلُ من هذا الواقعِ الضيقِ عالمًا بلا حدودٍ. في مكانٍ ما، سيلتقي الفكرُ بالعملِ، وسيُصبحُ الحلمُ نضالًا، ورغبةً في التحقيقِ.
الكلماتُ هي الكلماتُ؛ تصنعُ الغدرَ والخيانةَ، والوشايةَ والتضليلَ، وخداعَ النفسِ. وهي الحبُّ والنبالةُ. وعليكَ أن تعرفَ الكلماتِ وتُعاشرَها وتراها من كلِّ الأوجهِ، ولن تُعطيكَ أبدًا سرَّها. ستظلُّ ساحرةً، لغزًا مُبهمًا. الكلماتُ حظِّي من الحياةِ، وثروتي وميراثي، وشوقي وإحباطي وآمالي.