أعزُّ ما يملكه الإنسان شيئان: قلبُهُ ووَقْتُهُ؛ فإذا أهملتَ قلبَكَ وأضعتَ وقتَكَ، فقدتَ جلَّ الفوائدِ والمنافعِ.
أعظمُ الإضاعاتِ إضاعتان: إضاعةُ القلبِ وإضاعةُ الوقتِ؛ فإضاعةُ القلبِ تنبعُ من إيثارِ الدنيا على الآخرةِ، وإضاعةُ الوقتِ تنشأُ من طولِ الأملِ.
الصلاةُ صلةٌ بينَ القلبِ والربِّ؛ فالذي لا يحافظُ عليها لا يُنتَظَرُ منه أن يحافظَ على صلةٍ حقيقيةٍ بينه وبين الناسِ، صلةٍ مبعثُها صدقُ الضميرِ.
إن لله عبادًا اختصهم لنفسه، أولى علاماتهم أن الذل تحت أقدامهم. وهم يأتون إلى هذه الحياة لإثبات القدرة الإنسانية على حكم طبيعة الشهوات، التي هي بذاتها طبيعة الذل. فإذا أعرض أحدهم عن الشهوات وزهد فيها، واستقام على ذلك بعزم ونية وقوة وإرادة، فليس ذلك بالزاهد كما يصفه الناس، بل هو رجل قوي اختارته القدرة ليحمل أسلحة النفس في معاركها الطاحنة.
إن العالم بأسره مدينةٌ للأوهام، والمؤمن وحده هو صاحبُ يقينٍ لا يزول وعقيدةٍ لا تتحول. وهو في يقينه هذا، في عالم الأوهام، كمصباح الراهب في الغابة المظلمة، ومنارة النور في بحر الظلمات، والجزيرة التي يأوي إليها اليائسون، والطود الذي لا تزحزحه السيول ولا تزلزله العواصف. وقد يتمسك بيقينه ولا يوافقه على ذلك أحد ولا يصدقه أحد، فلا تخور عزيمته ولا تلين عريكته ولا يرتاب ولا يتردد. والناس من حوله بين معارض ومنتقد، ومطيع كاره أو مخالف معتزل، وهو لا يحفل بذلك، ويمضي كالسيف حتى يهزم بيقينه ألف جند من الشك، وينقشع سحاب الأوهام، ويظهر يقينه مثل فلق الصبح.
إن التقوى المنشودة ليست مسبحة درويش، ولا عمامة متمشيخ، ولا زاوية متعبد؛ إنها علم وعمل، ودين ودنيا، وروح ومادة، وتخطيط وتنظيم، وتنمية وإنتاج، وإتقان وإحسان.