لو سُئلَ أهلُ الهوى من بعد موتهم: هل فُرِّجت عنكم الكُرَبُ منذ مُتُّم؟ لقال صادقهم: قد بَلِيَ جسدي، لكن نار الهوى في القلب تلتهب. جفَّت مدامعُ عينِ الجسدِ حين بكى، وإنَّ عينَ الروحِ بالدمع تنسكب.
أنيري مكانَ البدرِ إنْ أفَلَ البدرُ، وقومي مقامَ الشمسِ ما استأخرَ الفجرُ. ففيكِ من الشمسِ المنيرةِ ضوؤها، وليس لها منكِ التبسُّمُ والثغرُ. بلى لكِ نورُ الشمسِ والبدرُ كلُّه، ولم تحملْ عيناكَ شمسًا ولا بدرًا. لكِ الشَّرقةُ اللألاءُ والبدرُ طالعٌ، وليس لها منكِ الترائبُ والنحرُ.
فيا ربِّ إذ صيَّرتَ ليلى هي المنى، فزِنِّي بعينيها كما زنتَها ليَ. وإلا فبغِّضْها إليَّ وأهلَها، فإنِّي بليلى قد لقيتُ الدواهيا.
فؤادي بين أضلاعي غريبٌ، ينادي مَن يُحبُّ فلا يُجيبُ. أحاطَ به البلاءُ فكلَّ يومٍ، تُقارعهُ الصبابةُ والنحيبُ. لقد جلبَ البلاءَ عليَّ قلبي، فقلبي مذ علمتُ له جَلوبُ. فإنْ تكنِ القلوبُ مثالَ قلبي، فلا كانتْ إذاً تلكَ القلوبُ.
وجدتُ الحبَّ نيرانًا تَلَظَّى، قلوبُ العاشقينَ لها وقودُ. فلو كانتْ إذا احترقتْ تفانتْ، ولكنْ كلما احترقتْ تعودُ. كأهلِ النارِ إذْ نضجتْ جلودٌ، أُعيدتْ -للشقاءِ- لهم جلودُ.
عن رجل من بني عامر قال: لقيتُ المجنونَ عند قفوله من البيت الحرام، فقلت له: ويحك! استشعر الصبر، واستبقِ مودة الحبيب بكتمان الحب. واعلم أنك لا تصل إلى الحبيب إلا بالستر ونفيك الشنعة، فإن التهتك يقطع مواد الغبطة، وليس للمهتوك أُلفة، والمستور طويل مدة الغبطة. فكان من جواب المجنون أن قال: إن الغواني قتلت عشاقها، يا ليت من جهل الصبابة ذاقها. في صدغهن عقارب يلسعننا، ما من لسعن بواجدٍ ترياقها. إن الشقاء عناق كل خريدةٍ كالخيزرانةِ لا نملُّ عناقَها. بيضٌ تُشبَّهُ بالحِقاقِ ثُدِيُّها، من عاجٍ حَكَتْ ثديَها حِقاقُها. يُدمي الحريرُ جلودهن، وإنما يُكسَينَ من حللِ الحريرِ رقاقَها. زانت روادفها دقاقُ خصورها، إني أحبُّ من الخصورِ دقاقَها. إنَّ التي طرَقَ الرجالَ خيالُها، ما كنتُ زائرَها ولا طرّاقَها.
عرفتُ أن أعرفَ معنى الاكتفاء، وأن الرجال لا يستحقون منا السهر والتفكير والتضحيات والبكاء. وبمعنى أكثر اختصارًا، يتضح لنا أن حياتنا ليست مرتبطة برجل.
نحن العربيات نميل دائمًا للمعطوبين عاطفيًا، نحب أكثر الرجال المكسورين في الداخل، المنهارة مشاعرهم تحت سيل تجارب فاشلة.