إن العيب كل العيب أن نرى في حزام الأمان دليلاً على الخوف، أو أن نقف في الطابور فيُفسر ذلك ضعفًا في الشخصية، وعجزًا عن اقتحام الصفوف والتغلب على الموظفين لإنهاء المعاملات. فمخالفة القوانين جهلٌ صراح، واتباعها عين المعرفة. والمأساة الكبرى تكمن في اقتناعنا بأن الجهل قوة، وأن المعرفة ضعف، وفي ظننا أن مخالفة القوانين رجولة، وأن اتباعها هوان. بذلك نرتد إلى الوراء أكثر من ألف وخمسمائة عام، فنصدق فينا قول الشاعر: ‘ألا لا يجهلن أحدٌ علينا .. فنجهل فوق جهل الجاهلينا!’
إن الإنسان لا يرغب في المعرفة التي تؤرق إرادته وتكدر صفوه، بل يميل إلى أن يظل مغفلاً سعيدًا، بدلاً من أن يكون ذكيًا معذبًا.
لا يسعني أن أوصي الشباب باتباع نصيحة أحد بعينه، بيد أن الأمر البديهي الذي لا يحتاج إلى توجيه هو اهتمامهم بالمعرفة والبحث، ودفاعهم عن المبادئ الأساسية ككرامة الإنسان، ومحاربتهم للإهانة، وحرصهم على التواصل الثقافي الحضاري مع شعوب العالم، وفوق كل ذلك: المعرفة، المعرفة، المعرفة.
صحيحٌ أن قيمة رأس المال قد تراجعت، وأن قيمة المعرفة في تزايد مستمر، وصحيحٌ أن أصحاب المعرفة الحديثة باتوا يمثلون سلطةً حقيقية، كما يتجلى في شركات مثل مايكروسوفت وغيرها؛ مما يعني أن المال والمعرفة قد اتحدا ليشكلا معاً قوةً مهيمنة. وبما أن الصدقة لا تُسهم في حل المشكلات الجذرية، فإن ظاهرة الأمية تُشير بوضوح إلى ضرورة إقرار الحق في توزيع المعرفة في دول العالم الثالث. والأدهى من ذلك أن الأمية تُستغل سياسياً للحفاظ على الأوضاع الراهنة واستمرارية التبعية.