كثيرةٌ هي الأمور التي لا نجرؤ على انتقادها؛ لأنّها مكرّسة، ولأنّنا نخشى أن نكتشف بعد حين أننا كنّا على خطأ. تختلط التقدميّة بالتخلّف، والماركسيّة بالتعصّب المذهبيّ، والثوريّة بالنرجسيّة البلهاء، والحداثة بالحزبيّة، والحاضر بماضٍ لا وجود له. وأسوأ الفزّاعات تلك الدينيّة؛ لأنّها دمويّة مهما ادّعَتْ الروحانيّة، ولأنّها ضخّت سمومها في كل وسائل التعبير وفي كل أشكال العادات والتقاليد. ينطبق هذا على الشرق كما ينطبق على الغرب. المكرّسات هي العقبة الكبرى أمام التقدّم، هي حجرُ القبرِ الأكبر. والمكرّساتُ، سواء أكانت دينيّة أم علمانيّة، كلّها محرّمات مرعبات.
في وقت من الأوقات لم يكن أحد. كان الهواءُ يتنفّس من الأغصان، والماء يترك الدنيا وراءه. كانت الأصوات والأشكال أركانًا للحلم، ولم يكن أحد. لم يكن أحد إلاّ وله أجنحة. وما كان لزومٌ للتخفّي، ولا للحبّ، ولا للقتل.
ولأنّ الشوق غريزة، وغريزة مغرّزة في جذور التمسّك بالحياة تغريزًا أعمق من الجذور نفسها، لولا استبداد الذكريات، لولا إدمان الصدى بعد إدمان الصوت؛ هل كنتُ حقًّا أحبّ أحدًا ويحبّني؟ أم هي مجموعة ظروف تضافرت لتجبل خيالًا محسوسًا من خيال شارد، ولتنحت تمثالين من الحلم فوق كائنين من لحم ودم؟ وسرعان ما يعصف القدر بالتمثالين، القدر الذي هو الحياة عندما تتحرّك، والذي هو الحركة عندما تُباغِت الذهول، والذي هو الآخرون عندما يصبحون شهودًا لما لا ينجو بنفسه إلاّ في غياب الشهود.
خلق الله الوردة بيضاء، فلما رأت آدم يتأملها وهي تتفتح، استحيت، ومن فرط خجلها تحولت إلى حمراء. هكذا تروي الحكاية، لكنها لا تبين سبب خجلها؛ هل هو من نظرة آدم إليها، أم من خواطرها الباطنة؟
يختزن الفولكلور من حقائق الشعوب وأحلامها ما لا تستطيع العلوم الاجتماعية والإنسانية إدراكه أو التكهن به.