ولأسبابٍ أخرى، لم أسمع ثوريًا يتكلم إلا ليدافع عن ثورته القديمة أمام صامتين جدد. أما الأنبياء فيصمتون بالضرورة عندما يصبحون أكثر قربًا ممن أرسلهم.
ولا يستقر في ذاكرتي من أحلام الأمس إلا شغفٌ بتوثيقٍ موضوعيٍّ لتشابك اللذة بالظلمة، والظلمة بالرعب، والرعب بالاستيقاظ من سباتٍ عميقٍ لمواجهة وجدانٍ أليمٍ.
لقد رأيتُ مرةً امرأةً تمسح التراب عن جبل، وبنتًا تُرسِل خصلةً من شعرها في بحيرة. وسمعتُ آخر يحاول أن يصف لآخر معه موقع بيته البعيد في قريته البعيدة، بالقرب من مدينة بعيدة، تظهر مثل نقطة في خريطة بلده البعيد.
الموت أرحم من الداء النفسي؛ إذ يستحيل عليك الاحتفاظ بذكرى شخصٍ يتلاشى ارتباطه بالعالم أمام ناظريك يوماً بعد يوم.
لا أذكر متى أدركتُ أن لي اسمًا ذا رنينٍ موسيقيٍّ، يليقُ به أن يُوقَّعَ على قصائدَ موزونةٍ، وأن يُرفعَ في وجه أصدقاءَ يحملون أسماءً عموميةً، ولا يدركون المعنى العميق لأن تمنحكَ الصدفةُ اسمًا ملتبسًا يثيرُ الشبهاتِ حولكَ ويقترحُ عليكَ أن تكونَ شخصًا آخرَ. كأن يسألكَ معارفُكَ الجددُ: “هل أنت مسيحيٌّ؟” أو “هل لك أصولٌ لبنانيةٌ؟” للأسف، لقد حدث شيءٌ ما، فعندما يناديني أحدٌ يعرفني، أرتبكُ وأتلفّتُ حولي، متسائلًا: هل يمكن لجسدٍ كجسدي، ولصدرٍ تزدادُ خشونتُه في التنفس يومًا بعد يوم، أن يحملَ اسمًا كهذا؟