تخيّل فقط! من بين مليارات البشر، هناك فئةٌ معينةٌ –محدودةٌ جدًا للأسف في الوقت الحاضر– يحب الله إيقاظها فجر كل يوم لتذهب إليه وتصلي له. في موعدٍ سريٍّ يكاد يكون مثل مواعيد العشاق الليلية. كما يذهب العشاق سرًا إلى مواعيدهم، يتسلل هؤلاء أيضًا بهدوء، يمشون في ظلماتٍ ستشهد لهم فيما بعد، ونورهم يسعى بين أيديهم، ويذهبون إليه في رحلةٍ قد تكون بعيدة. من بين الملايين من الذين قد يكونون في تلك اللحظة ثملين مخمورين، ومن بين الملايين من الذين قد يكونون في تلك اللحظة غارقين في شهوةٍ ما، ومن بين الملايين من الذين قد يكونون غاطّين في سباتٍ عميقٍ، في غفلةٍ عميقةٍ هي جوهر حياتهم كلها! من بين هؤلاء يختار الله فئةً معينةً محدودةً. وفي تلك الظلمة التي سيتخبط بها البشر في ذلك اليوم الرهيب، سيتلقى أولئك الذين مشوا إليه في الظلمات ما وعدوا به: النور التام يوم القيامة. إنهم تلك النخبة سعيدة الحظ، أولئك الذين يحب الله سبحانه وتعالى إيقاظهم.

في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له ابن اللُّتْبِيَّةِ على الصدقة. فلما قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ إليَّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالُ الرجلِ نستعملُه على العملِ مما وَلَّانا الله، فيقول: هذا لكم وهذا أُهْدِيَ إليَّ؟ فهلا جلسَ في بيتِ أبيه أو بيتِ أمه فينظرُ أَيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذُ منه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحملُه على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغاءٌ أو بقرةً لها خُوارٌ أو شاةً تَيْعَرُ. ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَتَيْ إبطيه: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ ثلاثًا.

ترك أعضاءه ومضى. بلا قدم ولا يد ولا قلب ولا أحشاء. قال: سأكون خفيفًا هكذا، وراح. الريح التي لعبت بشعره ذات يوم تلعب الآن بفراغه. خفيفٌ حتى الإنهاك من مشقة الخفة. تائهٌ حتى الطفح بكثرة تشعبات الفراغ. لا، ما هكذا، قال. ما هكذا يكون الضجر الشريف. ومدَّ فراغًا منه إلى الوراء، كما كان يمدُّ يدًا، لالتقاط شيء. مدَّ تجويفَ نظرة. مدَّ تخيُّلَ صوت. الوراء بعيدٌ جدًا، الأمام بعيد جدًا. لا عودة، لا وصول. لكنه ليس ذاهبًا إلى مكان. ولا يذكر أنه ترك أعضاءً ولا يشعر أنه خفيف. لم يكن ضجرًا من مكان ولا مكان له كي يتركه ولا مقصد كي يذهب إليه. ولم ينتبه إلى نظرة خرجت منه إلى ناحية أخرى. ولا خيالَ صوتٍ له. ولا يقوى على مدّ فراغ.