لقد كان الإسلام يمثل الرفض الفطري العميق لدى الجماهير للغزاة الأجانب الذين يهددون كياننا الحضاري ومستقبلنا ومصالحنا. وقد تجلى هذا الرفض أيضاً في قيادة الأمة المثقفة، متمثلة في شيوخها وتجارها وأعيانها (وهي القوى التي استبعدها محمد علي بإصلاحاته ونظامه الاقتصادي، مستحدثاً طبقة جديدة حلت محل الأعيان المصريين). وما من أمة تبلغ استقلالها وتقدمها إلا بقيادة طليعتها المثقفة، شريطة أن ترتقي هذه الطليعة إلى مستوى ثقافة عصرها، وأن تنجح في حشد وتوجيه طاقات الجماهير نحو التحرر وبناء القوة المادية الكفيلة بإنجاز متطلبات المرحلة التاريخية.

لقد أدرك المماليك واستغلوا سمة أساسية في حراك شعبنا، ألا وهي الانفعالية وغياب التنظيم الذي يضمن استمرارية المقاومة. لذلك، كان سعيهم الدائم هو تشتيت الجماهير المنفعلة وتهدئة القضية. فإذا ما تفرقت الجماهير، غدا من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – حشدها مرة أخرى. وعليه، كان القصاص الرادع هو ما تُوقعه العامة قبل أن تخبو جذوة القضية.