اعتزل الناسَ ما شئتَ لتغدو أشدَّ بأسًا؛ فمهما بدت لك الوحدةُ جحيمًا لا يُطاق، فإنها خيرٌ كثيرٌ من الأقنعةِ المتعددةِ التي يرتديها البشرُ.
إن أشرس الأعداء الذين قد تلقاهم هي ذاتك دومًا؛ أنت الكامن في كهوفك وغاباتك الداخلية، تمضي وحيدًا في دربك إلى نفسك. عبر ذاتك، وعبر شياطينك السبع، يمر طريقك. ستكون في عين نفسك زنديقًا، وساحرًا، ومهرجًا، وعرافًا، ومشككًا، ومدنسًا، وشريرًا. سترغب في أن تحرق نفسك في لهبك الخاص: فكيف لك أن تولد جديدًا إن لم تتحول أولًا إلى رماد؟
ولقد آمنتُ مبكرًا بحقيقةٍ إنسانيةٍ واحدةٍ، شهدتُ رفضَ الآخرين لها دونَ جدوى: أنَّ الوحدةَ جزءٌ ملازمٌ لكينونةِ الإنسانِ.
الوحدةُ تُعلِّمُكَ أن تكونَ صلبًا وقاسيًا. ومنذُ أنْ خرجتُ إلى هذه الدنيا وأنا أسيرُ وحيدًا كالموتِ، فلا عجبَ أنْ تقسوَ قلوبُ من تتغذّى الوحدةُ على أرواحِهم.
تشرُدُ وتنتقي كلماتٍ مناسبةً لحكاياتها العتيقة عن الماضي، تصفُ بحماسٍ ثيابَ رفيقاتها الأنيقةَ وأريجهنَّ الفوّاحَ المفعمَ بالأملِ، تستعرضُ صورَ متظاهراتٍ يماثلنَ ثمارَ القطنِ البكرِ، ناصعاتِ البياضِ تحتَ شمسٍ غاربةٍ، تتابعُ مديحَها للماضي، تستحضرهُ بلذّةٍ منتقمةٍ من حياتها الراهنةِ البائسةِ، تصفُ الشمسَ القديمةَ، وتحنّ إلى عبقِ الترابِ العتيقِ بعدَ أولِ قطرٍ، فتوحي إلينا بأن كلَّ شيءٍ قد تبدّل حقًّا، وكم نحنُ تعساءُ لأننا لم ننعمْ بذاك الزمانِ الغابرِ الجميلِ، حيثُ الخسُّ أطرى والنساءُ أكثرُ أنوثةً.
أعترفُ أنني غبيٌّ أحيانًا، بذريعةِ التوعيةِ… ثم مَن قالَ إنني واعٍ بما يكفي، حتى أتصدى لتوعيةِ غيري!؟