لقد تبين لي بعد تمعن وتدبر أن الاستحالة تنقسم إلى نوعين: استحالة قدرية، كأن يصبح الواحد أعظم من الاثنين، أو أن تلتقي الشمس والقمر في وضح النهار. واستحالة شرعية، كأن يكون الوقوف بعرفة في غير اليوم التاسع من ذي الحجة. وما سوى ذلك فليس بمستحيل، فلو عزم المرء على نقل جبل، لنقله حتمًا.
الداعية الحكيم هو من ينظر بوعي ثاقب وبصيرة مشرقة إلى واقع أمته الجريحة، ليتعرف على أسباب ذلها وضعفها وغياب هويتها من جهة، وإلى حجم المؤامرات التي تُحاك لها ليل نهار من جهة أخرى، فيُشخّص الداء بدقة قبل أن يُحدّد الدواء، فلا يكون بدعوته في وادٍ وأمته الجريحة في وادٍ آخر.
إذا اعترى قلوبنا الحزن، بدا العالم لنا كئيبًا، حتى وإن كنا في غمرة نهارٍ مشرقٍ بهيج. وعلى النقيض تمامًا، إذا أفسحنا المجال لبذور السعادة أن تنبت في دواخلنا، فلن تتمكن أشد العواصف المطيرة من تعكير صفو مزاجنا الرائق.
ألم نكن منذ الأمس نردد رغبتنا في أن نصير الغد؟ وها قد بلغنا الغد وما تلاه، وما زلنا، مع ذلك، أسرى الأمس.
أيها الراقدون من حولي، ساندوني على مجابهة الليل احتسابًا للأجر وطلبًا للثواب. حدثوني عن النهار، صفوا لي بهجته، فقد غاب عني ذكره ونسيت ملامحه.
يا صاحبيّ، ما بال الظلام لا ينجلي؟ وما لعمود الصبح لا يتجلى بوضوح؟ هل ضل النهار المضيء سبيله؟ أم أن الزمان قد أمسى ليلاً سرمديًا لا يبرح؟ وكم طال عليّ هذا الليل حتى كأنه موصول بليلين آخرين، فلا يكاد يزول.