كأن الأيام دهاليزُ شحيحةُ الضوءِ كابيةٌ، يقودك الواحدُ منها إلى الآخر فتَنقادُ، لا تنتظر شيئًا.. تمضي وحيدًا وببطءٍ يلازمك ذلك الفأرُ الذي يقرضُ خيوطَ عمرك، تواصلُ.. لا فرحٌ، لا حزنٌ، لا سخطٌ، لا سكينةٌ، لا دهشةٌ أو انتباهٌ.. ثم فجأةً وعلى غير توقعٍ تبصرُ ضوءًا تكذبه ثم لا تكذبُ، وقد خرجتَ إلى المدى المفتوحِ ترى وجهَ ربك والشمسَ والهواءَ، ومن حولك الناسُ والأصواتُ أليفةٌ تتواصلُ بالكلام أو بالضحكِ، ثم تتساءلُ: هل كان حلمًا أو وهمًا؟ أين ذهب رنينُ الأصواتِ، والمدى المفتوحُ على أملٍ يتقدُ كقرص الشمس في وضح النهار؟ تتساءلُ.. وأنت تمشي في دهليزك من جديد.

إن الصيام الحق ليس تَبَطُّلاً وكسلاً ونوماً طوال النهار، ولا سهراً أمام الشاشات طوال الليل. وليس هو قياماً متثاقلاً إلى العمل في الصباح، ولا ضيقاً في الصدر، أو عصبية وتوتراً في التعامل مع الآخرين. إن الله لَغَنِيٌّ عن مثل هذا الصيام، وهو يرده على صاحبه ولا يقبله، فلا ينال الصائم منه سوى الجوع والعطش.