ليس لكَ خيارٌ فيما أنتَ عليهِ؛ لم يكن لكَ خيارٌ في مَن ستكونُ عائلتكَ، وكيفَ ستكونُ ملامحُكَ وتدويرةُ وجهِكَ؟ ليس لكَ خيارٌ في الصوتِ الذي سيسمعُهُ الناسُ منكَ، ولا اللغةِ التي تتحدثُ بها منذُ صِغَرِكَ. يرتديكَ النهارُ كشمسٍ، ويتخلَّصُ منكَ الليلُ بإرغامكَ على النومِ تعبًا. وبعدَ كومةِ الفروضِ هذهِ، أصبحَ لكَ وجهان: وجهٌ بائسٌ يرسمُ لهُ الصقيعُ عينينِ، ووجهٌ أنيقٌ تُقابلُ بهِ المارَّةَ الأتعسَ منكَ والأوفرَ حظًا، ولكن لا شيءَ يظهرُ للعلنِ غيرَ “صورةِ إنسانٍ مُكتملٍ”. لم تخترْ بدايةَ الحكايةِ ولن تختارَ نهايتَها، ستتوقفُ عندَ مُنعطفٍ لم تكنْ تتوقعُهُ، لكنْ كُنْ مؤمنًا أنَّكَ: لن تتكرَّرَ.

دخل أديبٌ على الخليفة عبدالملك بن مروان فوجده يقرأ، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الكتابَ أنبلُ جليسٍ، وآنسُ أنيسٍ، وأصدقُ صديقٍ، وأحفظُ رفيقٍ، وأكرمُ مصاحبٍ، وأفصحُ مخاطبٍ، وأبلغُ ناطقٍ، وأكتمُ وامقٍ. يوردُ إليك ولا يصدرُ عنك، ويحكي لك ولا يحكي عنك. إن أودعته سرًّا كتمه، وإن استحفظته علمًا حفظه. وإن فاتحته فاتحك، وإن فاوضته فاوضك، وإن جاريته جاراك. ينشطُ بنشاطك، ويغتبطُ باغتباطك. ولا يخفي عنك ذكرًا، ولا يفشي لك سرًّا. إن نشرته شهد، وإن طويته رقد. وخفيفُ المؤونة، كثيرُ المعونة. حاضرٌ كالمعدوم، غائبٌ كالمعلوم. لا تتصنع له عند حضوره في خلوتك، ولا تحتشم له في حال وحدتك. في الليل نعم السمير، وفي النهار نعم المشير. فقال عبدالملك بن مروان: لقد حببتَ إليَّ الكتاب، وعظمته في نفسي، وحسّنته في عيني.

انزع، حبيبي، معطف السفر، وابقَ معي حتى نهايات العمر. فما أنا بمجنونةٍ لأوقف القضاء والقدر، وما أنا بمجنونةٍ لأطفئ القمر. ماذا أكون لو أنك لا تحبني؟ ما الليل؟ ما النهار؟ ما النجوم؟ ما السهر؟ ستصبح الأيام لا طعم لها، وتصبح الحقول لا لون لها، وتصبح الأشكال لا شكل لها، ويصبح الربيع مستحيلاً والعمر مستحيلاً. ابقَ، حبيبي، دائمًا كي يورق الشجر، ابقَ، حبيبي، دائمًا كي يهطل المطر، ابقَ، حبيبي، دائمًا كي تطلع الوردة من قلب حجر. لا تكترث بكل ما أقول يا حبيبي في زمن الوحدة أو وقت الضجر، وابقَ معي حتى لو سألتك الرحيل.

ضوء الليل المصطنع يُفقدنا متعة الحلم! فلو كان الله يُريد لنا أن نبصر ليلًا، لخلق الليل مضيئًا تمامًا كما هو النهار. إلا أن حاجة الإنسان لوقت إضافي لرؤية واقعه وإصلاحه دفعته لاكتشاف الكهرباء. أما أنا وغيري الكثير – وكلٌ له أسبابه – فلا حاجة لنا بالالتصاق بالواقع مرتين في اليوم، ولا نرغب في تغييره. لذا، أطفئوا علينا الضوء ودعونا نحلم بهدوء!

أخشى الظلم حين يغيب عني امتلاك الشجاعة الكافية لإحقاق العدل. أخشى الليل حين أكون على يقين تام بأن نور النهار الساطع لا يقوى على اختراق الظلمة الكامنة في أعماقي. أخشى القبر حين يجهل مصير جسدي الذي صنتُه سنين طويلة. أخشى الفرح الذي تتساوى شدته بشدة الحزن الذي يعقب فقدانه. أخشى الحب حين لا أدرك يقيناً أن مشاعري لن تذهب سدى. أخشى التعلق بالإنسان والأشياء ثم فقدانها. أخشى الحياة لأنني جُررتُ إليها جراً بلا إذن مني. أخشى الأمل حين أرى من فقدوه لأسباب مقنعة. أخشى الله حين يعلم ما في داخلي وأجهل حكمته وقوانينه. أخشى عيني حين تمتلئ بالدموع وتضغط على قلبي، فأخشى توقفه. أخشى البحر حين يهيج بلا سابق إنذار. أخشى القمر حين يكون بدراً ثم يخفت نوره شيئاً فشيئاً ويغيب. أخشى نفسي حين تحاصرني وتجبرني على فهمها ولا أستطيع. أخشى الطريق حين لا أرى نهايته. أخشى الشمس حين تنير لي الدرب وتحرقني إن حاولت الاقتراب منها. أخشى الوجوه العابسة والضاحكة والغامضة والغريبة، بل أخشى كل الوجوه حين لا أستطيع التلاعب بها وتغييرها للأفضل. أخشى الموتى حين أدعو لهم ولا يردون الدعاء. أخشى عمري حين يمضي وأنا أخشى.