أدب وفلسفة المعرفة
نص موثق
«

دخل أديبٌ على الخليفة عبدالملك بن مروان فوجده يقرأ، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الكتابَ أنبلُ جليسٍ، وآنسُ أنيسٍ، وأصدقُ صديقٍ، وأحفظُ رفيقٍ، وأكرمُ مصاحبٍ، وأفصحُ مخاطبٍ، وأبلغُ ناطقٍ، وأكتمُ وامقٍ. يوردُ إليك ولا يصدرُ عنك، ويحكي لك ولا يحكي عنك. إن أودعته سرًّا كتمه، وإن استحفظته علمًا حفظه. وإن فاتحته فاتحك، وإن فاوضته فاوضك، وإن جاريته جاراك. ينشطُ بنشاطك، ويغتبطُ باغتباطك. ولا يخفي عنك ذكرًا، ولا يفشي لك سرًّا. إن نشرته شهد، وإن طويته رقد. وخفيفُ المؤونة، كثيرُ المعونة. حاضرٌ كالمعدوم، غائبٌ كالمعلوم. لا تتصنع له عند حضوره في خلوتك، ولا تحتشم له في حال وحدتك. في الليل نعم السمير، وفي النهار نعم المشير. فقال عبدالملك بن مروان: لقد حببتَ إليَّ الكتاب، وعظمته في نفسي، وحسّنته في عيني.

»
أنيس منصور العصر العباسي

جوهر المقولة

هذا النص البليغ هو قصيدة نثرية في مدح الكتاب، يصفه الأديب للخليفة عبدالملك بن مروان بصفات تتجاوز كونه مجرد وعاء للمعرفة، بل يرفعه إلى مرتبة الصديق الوفي والرفيق الصادق. يبدأ بوصفه بأنه "أنبل جليس" و"آنس أنيس"، مؤكدًا على قيمته الرفيعة وقدرته على مؤانسة الروح وتقديم الصحبة الصالحة التي لا تمل.

يتعمق الوصف ليبرز مزايا الكتاب التي تفوق مزايا البشر: فهو "أصدق صديق" و"أحفظ رفيق"، لأنه لا يغدر ولا يخون، ويحفظ الأسرار والمعلومات. كما أنه "أفصح مخاطب" و"أبلغ ناطق"، حيث يقدم المعرفة بوضوح وعمق دون تملق أو تحريف. ومن أهم صفاته أنه "يورد إليك ولا يصدر عنك"، أي أنه مصدر دائم للعطاء الفكري دون أن يطلب شيئًا في المقابل، أو أن ينقل الأحاديث عنك.

ويستمر الأديب في تعداد فضائله، مشيرًا إلى أنه حافظ للأسرار والعلوم، ويتفاعل مع القارئ في الفتح والمفاوضة والمجاراة، وكأنه كائن حي يشاركك نشاطك واغتباطك. وهو خفيف المؤونة، أي لا يتطلب جهدًا كبيرًا للعناية به، ولكنه "كثير المعونة"، أي يقدم فوائد جمة. ويختتم الوصف ببيان فريد للعلاقة بين القارئ والكتاب: "لا تتصنع له عند حضوره في خلوتك، ولا تحتشم له في حال وحدتك"، مما يعني أن الكتاب يتيح للفرد أن يكون على طبيعته تمامًا، دون قيود أو تكلف، فهو خير سمير في الليل وخير مشير في النهار. هذه المقولة تعكس فهمًا عميقًا لدور الكتاب في بناء الفرد والمجتمع، وتأثيره في تهذيب النفس وتوسيع المدارك.