في موطني، وحبذا الأوطانُ، حيث الهواءُ يُدانُ. ما يشتهيه شيخٌ يصير حلالًا، أما الحرامُ فما اشتهته النفسُ. وما يفعله النصّابُ سرًّا في الدُّجى، يأتيه النهارُ فيفعله الكهّانُ جهارًا.
يا ليتنا نختم كل يوم من حياتنا بمحاسبة دقيقة لأنفسنا، فلا نخلد إلى النوم إلا بعد أن نغسل قلوبنا – قبل وجوهنا – من كل ما تراكم فيها من شوائب خلال النهار. فلا ينبغي أن تغمض أجفاننا على كراهية لأي إنسان، سواء كان منشأ تلك الكراهية اختلافًا في مذهب ديني أو سياسي، أو تباينًا في الذوق أو تضاربًا في المصلحة، ولا على حسد أو ضغينة لأحد. فالكره والحسد والضغينة، مهما كان مصدرها، هي رجس لا يليق بالقلب المؤمن بحقه في الحياة أن يرويها بدمه، لأنها في نهاية المطاف تفسده وتهلكه.
نسهر، نتفكر في كل شيء، وبلا شيء… نكتب الشعر، ونكتب النثر، لأن علينا قضاء الوقت بانتظار النهار القادم.
لقد درج القدماء على وصف الدليل القوي البين بأنه كالشمس في رابعة النهار، ونسوا أن الشمس ذاتها، على شدة وضوحها وسطوعها، لا تغدو دليلاً كافياً للإنسان إذا كان فاقداً للبصر.
إن الذين يحلمون في وضح النهار يطّلعون على حقائق وأسرار جمة تخفى على أولئك الذين لا يحلمون إلا في غياهب الليل.
البشر أشبه بالنوافذ ذات الزجاج الملون؛ فهي تتلألأ وتشع ببهائها في وضح النهار، ولكن حين يحل الظلام، فإن جمالها الحقيقي لا يظهر إلا بوجود ضوء ينبع من داخلها.
وقفتُ في زنزانتي.. أقلِّبُ الأفكارَ.. أنا السجينُ ها هنا.. أم ذلك الحارسُ بالجوار؟ فكلُّ ما يفصلنا جدارٌ.. وفي الجدارِ فتحةٌ.. يرى الظلامَ من ورائها.. وألمحُ النهارَ.
عليك أن تصالحَ نفسَك عشرَ مراتٍ في النهارِ؛ لأنه إذا كان في قهرِ النفسِ مرارةٌ، فإنَّ في بقاءِ الشقاقِ بينك وبينها ما يزعجُ رقادك. عليك أن تجدَ عشرَ حقائقَ في يومك كيلا تضطرَّ إلى السعيِ ورائها في نومك فتبقى نفسُك جائعةً.